الوسواس القهري: اضطراب شائع لكنه غير مفهوم مجتمعيًا

كتبت: ميرنا عرابى
يُعدّ الوسواس القهري من أكثر الاضطرابات النفسية شيوعًا وتعقيدًا، إذ يجمع بين أفكار متكرّرة التى تسبب قلقًا شديدًا، وبين سلوكيات قهرية لا يستطيع الفرد التوقف عن القيام بها، وبرغم إدراك المصاب أن هذه الأفكار غير منطقية، إلا أن الشعور الداخلي بعدم الارتياح يدفعه إلى تكرار الأفعال القهرية رغماً عنه، ورغم المعاناة اليومية التي يخلّفها هذا الاضطراب، فإن الوعي المجتمعي به ما زال محدودًا، مما يسهم في وصم المصابين به، ومن هنا تظهر أهمية تناول هذا الموضوع علميًا وإنسانيًا للكشف عن أسبابه وأعراضه وطرق علاجه.

ما هو الوسواس القهري؟
الوسواس القهري، أو ما يُعرف اختصارًا بـ(OCD)، هو اضطراب نفسي يتميّز بوجود وساوس عبارة عن أفكار و دوافع متكرّرة وغير مرغوبة، تتسبب في توتر وقلق شديدين، إضافة إلى أفعال قهرية يقوم الفرد بمتابعتها بغرض تخفيف هذا القلق، ويرتبط الاضطراب بدائرة مغلقة بين الفكرة القهرية والسلوك المتكرر الذي يمنح راحة مؤقتة فقط، ثم تعود الأفكار للظهور من جديد.
أنواع الأعراض:-
أولاً: الوساوس:
• الخوف المبالغ فيه من التلوث والجراثيم.
• الشك المتكرر في الأمور اليومية مثل إغلاق الباب أو إطفاء الموقد.
• أفكار عدوانية أو دينية أو جنسية غير مرغوبة.
• الحاجة المفرطة إلى الترتيب والتناظر والدقة.
•الحاجة إلى ترتيب الأشياء والحفاظ على اتزانها.
ثانيًا: الأفعال القهرية:
• غسل اليدين أو الاستحمام بشكل مفرط.
• فحص الأشياء بشكل متواصل للتأكد من سلامتها.
• تكرار بعض الكلمات أو العدّ بصوت خافت أو داخلي.
• ترتيب الأشياء بطريقة صارمة وفق نمط معين.
•محاولة استبدال فكرة سيئة بفكرة جيدة.
•التخيل دائما عند قيادة السيارة أنك تصطدم بالأشياء.

أسباب الوسواس القهري(OCD):-
لم ينجح الباحثون و الدكاترة في تحديد سبب واحد يحدد سبب حدوث المرض أو الإضطراب ، و لكن هم يتفقون على أنه ناتج عن تفاعل عدة عوامل، أبرزها:
1. العوامل البيولوجية: وجود خلل في مستويات بعض الناقلات العصبية في الدماغ مثل السيروتونين، ما يؤثر في القدرة على تنظيم المشاعر والسلوك.
2. العوامل الوراثية: تشير الدراسات إلى أن وجود تاريخ عائلي للاضطراب يزيد احتمالية إصابة أفراد الأسرة الآخرين.
3. العوامل النفسية: تأثير نمط الشخصية القلقة أو الحساسة، إضافة إلى اضطرابات سابقة كالاكتئاب أو القلق.
4. العوامل البيئية والاجتماعية: الضغوط النفسية الشديدة، أو التعرض لصدمات، قد تكون محفزًا لظهور أو تفاقم الأعراض.
كيف يؤثر الوسواس القهري (OCD) على الحياة اليومية؟
يتمثل التأثير الأكبر في استنزاف وقت كبير من يوم المصاب بالإضطراب في التفكير أو السلوكيات المتكررة، مما يقلّل من قدرته على التركيز في الدراسة أو العمل، كما يمكن أن يؤدي إلى العزلة الاجتماعية بسبب الشعور بالخجل و الإحراج من حدوث الأعراض فى وجود الأشخاص ، أو من صعوبة شرحها للآخرين، وفي الحالات الشديدة قد يفقد الشخص السيطرة على مجرى الأحداث التى تحدث، وذلك يؤدى أن تصبح الأعراض محور حياته.

طرق العلاج:-
أولًا: العلاج المعرفي السلوكي (CBT): وهو الأكثر فعالية، خصوصًا تقنية التعرّض ومنع الاستجابة (ERP: هو علاج التعرض ومنع الإستجابة)، التي تعتمد على مواجهة مصدر القلق تدريجيًا مع الامتناع عن الفعل القهري، مما يساعد الدماغ على كسر الحلقة الوسواسية.
ثانيًا: العلاج الدوائي: تُستخدم الأدوية التي تزيد مستوى السيروتونين في الدماغ، ويتم وصفها من طبيب نفسي لأنها تحتاج متابعة دقيقة.
ثالثًا: العلاج المشترك: يجمع بين العلاج السلوكي والدوائي، ويعتبر الخيار الأمثل في الحالات المتوسطة والشديدة.

تعرف أيضا على: متلازمة أسبرجر.. جانب غير مرئي من طيف التوحد
يُعدّ الوسواس القهري اضطرابًا قابلًا للتحكم والعلاج بدرجة كبيرة، بشرط تشخيصه مبكرًا والتعامل معه علميًا بعيدًا عن الوصم الاجتماعي، فالوعي بطبيعة الأعراض وأسبابها يساهم في تخفيف العبء النفسي على المصاب، ويوفّر بيئة أكثر دعمًا وفهمًا، وإدراك أن الوسواس القهري ليس ضعفًا في الشخصية ولا نقصًا في الإيمان، بل هو اضطراب طبي، يُعدّ خطوة مهمة نحو بناء مجتمع أكثر وعيًا ورحمة وإنسانية.



