يحيى عياش ـ المهندس الذي أعجز الإحتلال أمام ذكائه

بقلم/ أيه محمد حسان
في أرضٍ مثقلةٍ بالحزن والصبر، وُلد طفلٌ نحيل الجسد قويّ العزيمة، كتب له القدر أن يكون أحد أكثر الرجال تأثيرًا في تاريخ المقاومة الفلسطينية الحديثة.
ذلك الطفل الذي تربّى بين تراب رافات وزيتونها، لم يكن يعلم أن اسمه سيصبح يومًا مرادفًا للذكاء والجرأة، وأن العدو الذي يملك كل وسائل القوة سيقف عاجزًا أمام عقله.
إنه يحيى عبد اللطيف عيّاش، الذي غيّر مفهوم المقاومة من رصاصة تُطلق إلى فكرةٍ تُزرع.
من رافات تبدأ الحكاية
وُلد يحيى عياش في السادس من مارس عام 1966 في قرية رافات التابعة لمحافظة سلفيت شمال الضفة الغربية.
كان والده، عبد اللطيف عيّاش، فلاحًا بسيطًا يعمل بيديه في أرضه، ورجلًا مؤمنًا بالتربية والتعليم.
حرص على أن يغرس في أبنائه حب الوطن، والانضباط، والصبر،
أما والدته، فقد كانت نموذجًا للأم الفلسطينية التي تُعلّم أبناءها أن الكرامة لا تُشترى، وأن الحرية أغلى من الحياة.
كبر يحيى عياش في بيتٍ متواضعٍ يضم أربعة إخوة، كانت الحياة قاسية تحت الاحتلال، لكن الأسرة استطاعت أن تُخرج من تلك الظروف الصعبة طالبًا متفوقًا.
كان المعلمون يصفونه بأنه “الأذكى في مدرسته”، منذ صغره، كانت تظهر عليه علامات نبوغٍ استثنائي.
كان يفكّك الألعاب والأجهزة القديمة في البيت، ويعيد تركيبها بدقة مذهلة.
لم يكن والده يفهم في الهندسة، لكنه كان يشعر أن هذا الطفل يحمل في عقله شيئًا مختلفًا.

الطريق إلى بيرزيت: العلم بوابة الحرية
بعد حصوله على الثانوية العامة بتفوّق، التحق يحيى عياش بجامعة بيرزيت، قسم الهندسة الكهربائية، كانت تلك الفترة من أكثر المراحل تأثيرًا في شخصيته.
في الجامعة، انفتح على العالم السياسي والفكري الفلسطيني، واختلط بالتيارات الإسلامية والوطنية المختلفة، لكنه اختار طريقه بهدوء، دون شعارات ولا ضجيج.
كان يقضي ساعات طويلة في مختبرات الهندسة، يُجري التجارب ويكتب الملاحظات بدقة متناهية.
قال عنه أحد أساتذته: “كان يحيى تلميذًا لامعًا، لا يتحدث كثيرًا، لكن حين يطرح سؤالًا، يفتح أمامك بابًا للتفكير العميق.”
خلال سنوات دراسته، بدأت الانتفاضة الأولى عام 1987، فاشتعلت فلسطين بالاحتجاجات والمواجهات.
شاهد يحيى بأمّ عينيه كيف يُقتل الشباب ويُعتقل الأطفال، وكيف يتحول الوطن إلى سجنٍ كبير.
في تلك اللحظة، تغيّر داخله شيءٌ كبير، لم يعد العلم هدفًا شخصيًا بالنسبة له، بل وسيلة لتحرير الأرض.
من المهندس المدني إلى المهندس المقاوم
بعد تخرجه عام 1988 بتقدير ممتاز، حاول يحيى السفر إلى الخارج لإكمال دراسته العليا في الهندسة، لكن سلطات الاحتلال رفضت منحه تصريحًا.
كانت تلك الصفعة نقطة التحوّل.
أدرك أن الاحتلال لا يخاف من البنادق بقدر ما يخاف من العقول المتعلمة.
في تلك الفترة، كانت كتائب القسام — الجناح العسكري لحركة حماس — في بداياتها.
انضم إليها بهدوء، دون أن يعرف أحد من عائلته، وبدأ يطبّق علمه في تطوير العبوات الناسفة والدوائر الكهربائية الخاصة بها.
كان هدفه أن يجعل المقاومة تعتمد على الإبداع العلمي بدلًا من الاعتماد على الأسلحة التقليدية النادرة.
بذكائه الفذ، نجح في تطوير نوع جديد من العبوات يمكن تصنيعها من مواد متاحة في السوق العادية.
وقد استخدم معادلاته الهندسية لتحديد قوة الانفجار بدقة مذهلة.
قال أحد رفاقه لاحقًا: “كنا نظن أن العلم مكانه المختبر، لكن يحيى جعل منه سلاحًا يقاتل الاحتلال.”

العمليات التي هزّت إسرائيل
منذ بداية التسعينيات، ارتبط اسم يحيى عيّاش بسلسلة عمليات نوعية داخل الأراضي المحتلة.
كانت تلك العمليات ردًّا على المجازر التي ارتكبها الاحتلال بحق الفلسطينيين، خاصة مجزرة المسجد الإبراهيمي في الخليل عام 1994.
من أبرز تلك العمليات التي نُسبت إلى هندسته أو تخطيطه:
عملية مفرق بيت ليد (يناير 1995) التي أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات من الجنود الإسرائيليين، وكانت من أقوى الضربات في تلك الفترة.
عملية الحافلة في تل أبيب (1994) التي أربكت أجهزة الأمن الإسرائيلية وأجبرتها على إعلان حالة الطوارئ.
عمليات أخرى في القدس وعسقلان وحيفا، نُفذت بذات الأسلوب الدقيق الذي وضعه يحيى عيّاش، مما جعله على رأس قائمة المطلوبين.
تغيّر ميزان القوى النفسي بعد تلك العمليات؛ للمرة الأولى، يشعر الاحتلال أن “العدو” يضربه في عمقه، وأن هناك عقلًا عبقريًا يُدير اللعبة من الظل.
سنوات المطاردة: الحياة بين الخطر والظل
منذ عام 1992، صار يحيى عيّاش المطلوب الأول للمخابرات الإسرائيلية.
كانت صورته تتصدر كل ملفات “الشاباك”، ورُصدت مكافآت ضخمة لمن يدلي بأي معلومة عنه.
لكن الرجل كان أذكى من أن يُسقط نفسه بسهولة، استخدم أساليب تمويه معقدة، وتخفّى في بيوت متواضعة بين الضفة وغزة.
لم يكن يخرج في النهار، ولا يستخدم الهاتف العادي،
كان يتواصل برسائل شفهية عبر شبكات معقدة من الوسطاء.
روى أحد المقربين منه بعد استشهاده: ” كان ينام ساعات قليلة، ويقضي الليل في العمل على الدوائر والأسلاك، يرسمها بدقة كأنه يكتب معادلة حياة أو موت.”
عاش يحيى عياش حياة المطارد لأكثر من ثلاث سنوات، لكنه لم يتوقف عن العمل لحظة.
كان يتنقل بذكاء، يغيّر ملامحه أحيانًا، ويرتدي ملابس مختلفة في كل مرة، حتى أصدقاؤه لم يكونوا يعرفون مكانه بدقة.
ذكاء يحيى عياش يربك العدو
أرهق يحيى عياش أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية إلى حدّ الجنون.
اعترف أحد كبار ضباط “الشاباك” في مقابلة لاحقة بأن “المهندس” يحيى عياش كان بمثابة كابوس دائم لهم، قائلًا: “لم نواجه رجلًا بهذه القدرة على التخفي والتخطيط. كان يتنبأ بخطواتنا قبل أن ننفذها.”
كانت إسرائيل تملك التكنولوجيا والطائرات والدبابات، لكنها كانت عاجزة أمام عقلٍ واحدٍ يعمل في الظل.
كانوا يملكون القوة، لكنه امتلك الذكاء، وكان هذا هو التفوق الحقيقي.
خطة الاغتيال: الهاتف القاتل
في أواخر عام 1995، وبعد سنوات من الفشل في الوصول إليه، قررت المخابرات الإسرائيلية تنفيذ خطة غير تقليدية.
تمكّن “الشاباك” من تجنيد أحد المقربين من يحيى في غزة، يُدعى أسعد أبو سرية، الذي كان يعمل في مجال الهواتف النقالة.
طلب منه الضابط المسؤول أن يُسلّم يحيى هاتفًا جديدًا كهدية، دون أن يعلم أن بداخله عبوة ناسفة دقيقة يمكن تفجيرها عن بُعد عبر إشارة لاسلكية.
في صباح 5 يناير 1996، كان يحيى في بيت صديقه أسامة حماد في بيت لاهيا شمال قطاع غزة.
رنّ الهاتف المحمول الجديد، فأجاب يحيى، وكان المتصل والده.
تحدث معه لدقائق قليلة، ثم انفجرت العبوة في يده، فتناثرت أجزاء جسده الطاهر في المكان.
استُشهد يحيى عياش على الفور، وانتهت المطاردة التي استمرت أربع سنوات.

الزلزال بعد الاستشهاد
انتشر خبر استشهاده كالنار في الهشيم، خرجت جماهير غزة في جنازةٍ مهيبة وُصفت بأنها الأكبر في تاريخ القطاع.
مئات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال شيّعوا جثمانه، يهتفون:”بالروح بالدم نفديك يا مهندس.”
كانت مشاهد التشييع رسالة إلى الاحتلال: ربما قتلتم الجسد، لكن الفكرة حيّة لا تموت.
ردّت كتائب القسام بعد أيام بعمليات متتالية داخل إسرائيل، واهتزت تل أبيب من جديد.
اعترفت الصحف الإسرائيلية في ذلك الوقت أن اغتيال يحيى عيّاش لم يُنهِ المقاومة، بل أشعلها أكثر.
الإرث الذي لا يغيب
لم يكن يحيى عياش قائدًا ميدانيًا فقط، بل كان مدرسة فكرية في المقاومة.
علّم من حوله أن الإبداع هو طريق البقاء، وأن العمل السري يحتاج إلى عقل منظم أكثر من حاجة البندقية إلى زناد.
ترك خلفه جيلًا من المهندسين والتقنيين الذين ساروا على نهجه، وطوروا أساليب المقاومة لاحقًا.
حتى اليوم، تُدرّس تجربته في بعض الدورات الأمنية الفلسطينية كنموذجٍ للعبقرية في التخفي والعمل السري، وتُقام في ذكراه ندوات ومسيرات سنوية في غزة والضفة والشتات.
الجانب الإنساني: رجل بين الخطر والحب
رغم انشغاله بالمقاومة، لم يخلُ قلبه من الحب، تزوج من ابنة عمه، وأنجب منها طفلين، كانا آخر ما رآه قبل استشهاده.
كانت حياته الأسرية قصيرة جدًا، لكنه كان أبًا حنونًا رغم ظروفه الصعبة.
تقول زوجته في أحد لقاءاتها: “كان يشعر أن أجله قريب. كان دائمًا يوصيني بالصبر، وأن أُخبر أبناءه أنه لم يمت، بل انتقل إلى حياةٍ أوسع.”
كان يحمل في داخله رقةً تخفيها الصلابة الظاهرة.
يحب الهدوء، ويُكثر من قراءة القرآن.
يقول أحد أصدقائه: “ما رأيت يحيى يرفع صوته يومًا، حتى في أشد المواقف توترًا. كان يُدير الأمور بعقلٍ باردٍ وإيمانٍ عميق.”
مكانته في الوعي الفلسطيني والعربي
تحوّل اسم يحيى عياش إلى رمزٍ عربيٍّ للمقاومة الذكية،
كُتبت عنه الكتب والأغاني، وتغنّى الشعراء ببطولته.
لم يكن مجرد شهيدٍ فلسطيني، بل نموذجًا للشاب العربي الذي يجعل من علمه طريقًا للتحرر.
في الذاكرة الفلسطينية، يُقارن دائمًا بأسماء خالدة مثل عبد القادر الحسيني، وأحمد ياسين، وفتحي الشقاقي.
لكن ما يميّزه أنه لم يكن قائدًا تنظيميًا كبيرًا، بل مهندسًا بسيطًا حوّل العقل إلى أقوى سلاح.
شهادات من العدو
بعد سنوات من اغتياله، ظهرت شهادات لضباط إسرائيليين في وثائقيات، قالوا فيها إن عياش كان “العقل الأخطر في تاريخ حماس”.
أحدهم قال:”اغتياله لم يكن انتصارًا، بل ضرورة، لأنه لو بقي حيًا، لكان قلب موازين الحرب كلها.”
بل إن بعضهم اعترف بأن اغتياله أدخل إسرائيل في دوامة من العمليات الانتقامية، أدت إلى مقتل وإصابة المئات،
حتى الصحافة الإسرائيلية وصفت يوم اغتياله بأنه “اليوم الذي فقد فيه العدو هدوءه”.
حين يغدو الغياب حضورًا دائمًا
يقولون إن الموت نهاية، لكن يحيى عياش أثبت العكس،
فهو حاضر في كل بيت فلسطيني، وفي كل قصة مقاومة تُروى للأجيال.
صوره معلّقة على الجدران، وأغانيه تُردّد في المهرجانات، وذكراه تُلهب قلوب الشباب الذين لم يروه يومًا، لكنهم آمنوا بفكرته.
لقد مات “المهندس”، لكن بقيت فكرته حية:
أن العدو مهما امتلك من سلاحٍ وجيش، سيظل عاجزًا أمام عقلٍ مؤمنٍ بعدالة قضيته،
أن الكفاح ليس خيارًا، بل قدر أمةٍ تُريد الحياة بكرامة،
وأن النصر ليس وعدًا بعيدًا، بل ثمرة صبرٍ وعقلٍ مؤمن.
الفكرة التي لا تُغتال
في كل ذكرى لاستشهاده، يعود السؤال:
كيف استطاع شاب في الثلاثين من عمره أن يُربك دولةً كاملة؟
الإجابة ليست في المواد المتفجرة، بل في الفكرة.
الفكرة التي تقول إن القوة الحقيقية ليست في البندقية، بل في من يُفكر كيف يستخدمها.
لقد رحل يحيى عياش، لكنه ترك وراءه ما هو أعظم من الأثر:
ترك منهجًا في المقاومة، ودرسًا في الإيمان، ورسالة تقول إن الشعوب لا تُقهر إذا آمنت بنفسها.
ربما سكنت يديه عن العمل، لكن فكرته ما زالت تصنع الأجيال.



