يحيى السنوار ـ رجل الظل الذي أصبح وجه المقاومة الفلسطينية

بقلم / أيه محمد حسان
في عالم الصراعات المعقدة، يولد بعض القادة من بين الأنقاض، ومن بين رماد الحروب وركام السجون خرج اسم يحيى السنوار، أحد أبرز الوجوه الفلسطينية في العقود الأخيرة، والرجل الذي تحول من سجين يقضي أحكامًا مؤبدة في السجون الإسرائيلية إلى قائد سياسي وعسكري يغير موازين القوى في قطاع غزة.
كان السنوار بالنسبة لأنصاره رمزًا للمقاومة والثبات، ولخصومه عقلًا مدبرًا يقف وراء أعنف هجوم شهدته إسرائيل منذ عقود، وبين هذه الرؤى المتضاربة تتشكل صورة مركبة لقائد وُلد في مخيم خان يونس، ونشأ في بيئة الفقر والحصار، ليصبح أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في تاريخ حركة حماس.
النشأة والبدايات الأولى
وُلد يحيى إبراهيم حسن السنوار في 29 أكتوبر عام 1962 داخل مخيم خان يونس جنوبي قطاع غزة، لعائلة فلسطينية هُجّرت من مدينة المجدل التي أصبحت لاحقًا عسقلان خلال نكبة عام 1948.
نشأ في بيئة فقيرة محاصرة، حيث كانت المخيمات الفلسطينية في تلك الفترة تعاني من نقص الخدمات وتزايد البطالة، ما شكل وعيه السياسي المبكر حول الاحتلال والهوية.
التحق بمدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الأونروا، ثم واصل تعليمه الجامعي في الجامعة الإسلامية بغزة، حيث درس اللغة العربية، وفي الجامعة بدأ نشاطه السياسي ضمن الكتلة الإسلامية الذراع الطلابي لجماعة الإخوان المسلمين، وهناك تعرف على قيادات شابة ستصبح لاحقًا مؤسسة لحركة حماس، من بينهم الشيخ أحمد ياسين وصلاح شحادة.
في هذه المرحلة بدأ السنوار يبلور قناعاته حول فكرة المقاومة كطريق وحيد للتحرير، وكان يرفض بشدة أي تسوية سياسية مع إسرائيل.
تأسيس “المجد” وبدايات العمل التنظيمي
في منتصف الثمانينيات، ساهم السنوار في تأسيس جهاز أمني سري داخل قطاع غزة أطلق عليه اسم المجد، وكان الهدف منه – وفق روايات فلسطينية – ملاحقة المتعاونين مع إسرائيل وكشف الخلايا المشبوهة، اعتُبر هذا الجهاز النواة الأولى لما أصبح لاحقًا جهاز الأمن الداخلي لحركة حماس.
كان السنوار معروفًا بصرامته وشدته في تطبيق القواعد التنظيمية، حتى داخل أوساط الحركة نفسها، إذ كان يرى أن الحفاظ على أمن التنظيم أولوية تعلو على كل اعتبار،
في تلك الفترة كانت الأرض الفلسطينية تغلي بالاحتجاجات، ومع اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987 أصبحت حماس لاعبًا رئيسيًا في المشهد، وكان السنوار من أبرز من ساهموا في بناء بنيتها الأمنية الداخلية.

الاعتقال الطويل والتحول داخل السجن
في عام 1988 اعتقلت السلطات الإسرائيلية يحيى السنوار بعد ملاحقته لسنوات، ووجهت إليه تهمًا بتأسيس جهاز المجد والمشاركة في عمليات ضد الاحتلال، ليُحكم عليه بأربع مؤبدات وعدة سنوات إضافية.
قضى أكثر من اثنين وعشرين عامًا في السجون الإسرائيلية، وهي الفترة التي ستشكل ملامح شخصيته القيادية لاحقًا،
خلال سجنه تعلم العبرية بطلاقة، وقرأ كثيرًا في الفكر الإسرائيلي والمجتمع العبري، كما أصبح من أبرز قادة الأسرى الفلسطينيين داخل السجون، وبرز دوره في تنظيم صفوف المعتقلين وإدارة الخلافات بينهم، كان معروفًا بأنه شديد الانضباط، قليل الكلام، حاد في النقاش، لكنه يحظى باحترام خصومه قبل أنصاره.
يقول أحد رفاقه في الأسر:“كان السنوار يملك قدرة على الإقناع والسيطرة دون أن يرفع صوته، كان يعرف متى يتحدث ومتى يصمت، ومتى يتخذ القرار.”
ورغم السنوات الطويلة خلف القضبان، ظل السنوار مؤمنًا بأن الحرية قادمة، وأن السجن محطة وليست نهاية.
صفقة شاليط والعودة إلى غزة
عام 2011 أطلقت إسرائيل سراحه ضمن صفقة تبادل الأسرى التي عُرفت باسم صفقة شاليط، والتي أفرج بموجبها عن أكثر من ألف أسير فلسطيني مقابل الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط.
خروجه كان حدثًا مفصليًا في مسيرة حماس، إذ عاد إلى غزة كبطل وطني في نظر الكثيرين، وبدأ فورًا في لعب دور تنظيمي مؤثر داخل الحركة،
تولى بعد الإفراج مسؤوليات قيادية أمنية، وأصبح أحد أبرز الوجوه القريبة من الجناح العسكري كتائب القسام، وفي عام 2012 انتُخب عضوًا في المكتب السياسي للحركة، ليبدأ صعوده السريع نحو قمة هرم القيادة.
انتخابه قائدًا لحماس في غزة
في فبراير 2017 انتُخب يحيى السنوار رئيسًا لحركة حماس في قطاع غزة خلفًا لإسماعيل هنية الذي انتقل لرئاسة المكتب السياسي العام للحركة،
جاء انتخابه ليعكس تحولًا داخليًا داخل حماس نحو تعزيز سلطة التيار العسكري، إذ كان السنوار يُعتبر ممثل الجناح الأقرب لكتائب القسام داخل القيادة السياسية.
منذ توليه القيادة حاول أن يجمع بين العمل السياسي والميداني، فبينما أدار اتصالات مع مصر وقطر والأمم المتحدة لتخفيف الحصار عن غزة، كان يشدد في الوقت نفسه على أن المقاومة لن تضع سلاحها.
في أحد خطاباته الشهيرة عام 2018 قال: “من يظن أننا سنتخلى عن البندقية، لا يعرف حماس ولا يعرف غزة.
كان أسلوبه يجمع بين الواقعية السياسية والحزم العسكري، وهو ما جعل منه شخصية مؤثرة داخليًا، لكنها مثيرة للجدل خارجيًا.
رؤية يحيى السنوار السياسية والفكرية
رأى السنوار أن التحرير لا يمكن أن يتحقق إلا بالمقاومة المسلحة، لكنه في الوقت نفسه أدرك أهمية التفاهمات السياسية المؤقتة لتأمين الدعم الشعبي والاقتصادي لغزة، كان من دعاة الانفتاح المحدود على الوسطاء الإقليميين، لكنه رفض أي حوار مباشر مع إسرائيل.
وقد عُرف عنه قوله في أحد اللقاءات المغلقة: “قد أُصافح خصمي لأخفف عن شعبي، لكني لن أُصالحه ما دام يحتل أرضنا.”
في نظر كثيرين جسد السنوار فكرة القائد الميداني السياسي، فهو لم يأت من خلفية مكتبية أو فكرية، بل من الميدان والسجن والمواجهة المباشرة.

يحيى السنوار بين الحرب والسياسة
مع كل جولة تصعيد بين غزة وإسرائيل، كان اسم السنوار يتصدر المشهد،
في حرب مايو 2021 لعب دورًا رئيسيًا في إدارة المواجهة التي أطلقت عليها حماس اسم “سيف القدس”، والتي جاءت ردًا على الاعتداءات الإسرائيلية في القدس وحي الشيخ جراح، ظهر السنوار وقتها بصفته القائد الذي يوازن بين الضغط العسكري والمفاوضات غير المباشرة.
كان حريصًا على إيصال رسالة مزدوجة: أن حماس قادرة على الرد بقوة، لكنها أيضًا لا تبحث عن حرب مفتوحة.
وفي تصريح له بعد وقف إطلاق النار قال: “المعركة انتهت لكن الصراع لم ينته، وما أخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة.”
هذا الخطاب عزز صورته كقائد صلب لا يلين، وفي الوقت نفسه كسياسي يدرك حدود اللعبة الإقليمية.
العلاقة مع الفصائل الفلسطينية
على الرغم من طابعه الحازم، سعى السنوار إلى تقوية العلاقات بين حماس وبقية الفصائل الفلسطينية، بما في ذلك حركة فتح،
وقد شارك في عدة لقاءات داخلية في غزة ورام الله تهدف إلى تحقيق المصالحة الفلسطينية.
إلا أن هذه الجهود اصطدمت دائمًا بالخلافات العميقة حول البرنامج السياسي، وسلاح المقاومة، وطبيعة العلاقة مع إسرائيل.
ورغم فشل المصالحة أكثر من مرة، ظل السنوار يؤكد أن “الانقسام الداخلي أخطر على القضية من الاحتلال نفسه.”
الرجل الغامض داخل حماس
يُوصف السنوار داخل الحركة بأنه “رجل الظل”، لأنه قليل الظهور الإعلامي ويفضّل العمل خلف الكواليس.
لا يُعرف له نشاط علني مكثف، لكنه حاضر في كل قرار استراتيجي،
ويقول مقربون منه إنه لا يستخدم الهاتف المحمول، ويتواصل بطرق سرية مع عدد محدود من القيادات، حفاظًا على أمنه وأمن الحركة،
هذا الغموض زاد من هالته، وأصبح بالنسبة للكثيرين العقل المدبر لحماس في غزة، بل إن تقارير إسرائيلية وصفته بأنه “أخطر رجل في الشرق الأوسط” نظرًا لقدراته التنظيمية وصرامته في اتخاذ القرار.
حياة يحيى السنوار الشخصية
رغم أنه نادر الظهور في الحياة العامة، إلا أن بعض المقربين تحدثوا عن جوانب من شخصيته.
فهو متزوج وله أربعة أبناء، يعيش حياة بسيطة داخل غزة، ويُعرف عنه الزهد في المظاهر، يحب القراءة، خصوصًا في الفكر السياسي والتاريخ العسكري، ويقضي أوقاتًا طويلة في النقاش مع كوادر الحركة الشباب،
يقول أحد رفاقه القدامى: “يحيى السنوار لا يتحدث كثيرًا، لكنه إذا تكلم أصغى الجميع، لديه قدرة على أن يجعل من حوله يشعرون أن ما يقوله مصير.”
المواجهة الكبرى – عملية طوفان الأقصى
في السابع من أكتوبر 2023 فاجأت كتائب القسام إسرائيل بهجوم واسع النطاق أطلقت عليه اسم طوفان الأقصى، وهو الحدث الذي غيّر خريطة الصراع في المنطقة، اتهمت إسرائيل يحيى السنوار بأنه العقل المدبر للعملية، وأنه من قاد التخطيط الميداني والسياسي للهجوم،
ومنذ ذلك اليوم، أصبح السنوار الهدف الأول لإسرائيل التي شنّت حربًا مدمرة على قطاع غزة بحثًا عنه وعن قادة الحركة،
لكن رغم مرور شهور طويلة من الحرب لم تتمكن إسرائيل من القبض عليه أو قتله، وهو ما جعل الإعلام الإسرائيلي يصفه بـ“الشبح” الذي يتحرك في الظل دون أن يُرصد،
ظهر اسمه في تقارير عدة باعتباره يدير المعركة من أنفاق تحت الأرض، ويقود التنسيق بين الجناح العسكري والقيادة السياسية،
بينما اعتبره أنصاره رمزًا للصمود في وجه واحدة من أعنف الحروب في التاريخ الحديث.
نظرة إسرائيل إلي يحيى السنوار
من وجهة النظر الإسرائيلية، يُعد السنوار أخطر من تولى قيادة حماس في تاريخها، تصفه وسائل الإعلام العبرية بأنه “رجل لا يساوم”، وأنه مستعد لخوض معركة طويلة حتى النهاية، ويعتقد كثير من المحللين الإسرائيليين أن اغتياله بات مسألة وقت، لكنهم يعترفون في الوقت نفسه بأن قتله لن يُنهي حركة حماس لأنها أصبحت مؤسسة متجذّرة وليست مرتبطة بشخص واحد،
أما داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية، فيُنظر إلى السنوار كمقاتل بارع يجيد الحرب النفسية بقدر ما يجيد العمل الميداني،
ويقال إن تصريحاته النادرة كانت تُقرأ في تل أبيب أكثر من أي بيان آخر يصدر عن قادة الحركة.
تعرف أيضا علي… أنس الشريف… الكاميرا التي لم تكمل رسالتها
![]()
يحيى السنوار بين البطولة والجدل
لا يمكن الحديث عن يحيى السنوار دون التطرق إلى الجدل الكبير حول شخصيته، فهو بالنسبة لأنصاره بطل وطني يقف في وجه واحدة من أقوى الجيوش في العالم، أما خصومه فيرونه رجلًا متشددًا يجرّ غزة إلى حروب متكررة،
ومع ذلك لا يختلف الجميع على أنه شخصية استثنائية في تاريخ القضية الفلسطينية، جمعت بين الصبر والصلابة والتخطيط والقدرة على البقاء رغم كل محاولات الاغتيال.
إرثه وتأثيره
مهما كانت النهاية التي سيواجهها السنوار، فإن تأثيره في التاريخ الفلسطيني سيبقى حاضرًا، فقد أعاد تعريف مفهوم القيادة داخل حماس، وربط بين المقاومة المسلحة والإدارة السياسية، كما ساهم في صياغة صورة جديدة لغزة ككيان قادر على الصمود رغم الحصار،
إن قصة يحيى السنوار ليست مجرد سيرة شخص، بل هي مرآة تعكس مأساة ونضال شعب بأكمله يعيش تحت الاحتلال، هي حكاية المخيم والسجن والحرب، وحكاية رجل آمن أن الحرية تستحق التضحية حتى آخر العمر.
بين من يراه “بطلًا من أبطال فلسطين”، ومن يعتبره “عدوًا خطيرًا”، يبقى يحيى السنوار واحدًا من أكثر الشخصيات تأثيرًا في المشهد السياسي الفلسطيني المعاصر.
جمع في شخصه ملامح القائد الثوري والسياسي البراغماتي، والمقاتل العنيد الذي لا يعرف التراجع، قد يختلف الناس حوله، لكنهم لا يختلفون على أنه رجل غيّر مجرى الأحداث في واحدة من أكثر قضايا العالم تعقيدًا،
لقد خرج من الظل ليصبح وجه المقاومة، ومن زنزانة السجن إلى واجهة التاريخ، ليُكتب اسمه في سجل القادة الذين صنعوا من الألم أملًا ومن المعاناة مقاومة.



