مقالات

هدى شعراوي – وجه مصر النسائي في معركة الحرية

بقلم: آية محمد حسان

في تاريخ مصر الحديث، تتلألأ أسماء كثيرة تركت بصماتها في مجالات السياسة والفكر والثقافة، لكن يبقى اسم هدى شعراوي استثنائيًا، ليس فقط لأنها أول من قادت حركة نسائية واعية في مصر، بل لأنها كانت رمزًا للمرأة التي كسرت القيود في زمن كانت فيه التقاليد حائطًا شاهقًا أمام حلم الحرية، ولدت هدى شعراوي لتصنع من حياتها رسالة، ومن نضالها قصة، ومن صوتها صدى باقٍ في وجدان كل امرأة مصرية وعربية تبحث عن العدالة والمساواة والكرامة.

ميلاد في بيت السلطة وبدايات الوعي

ولدت هدى محمد سلطان المعروفة بـ”هدى شعراوي” في ٢٣ يونيو عام ١٨٧٩ بمدينة المنيا، في بيت أرستقراطي يجمع بين الثراء والنفوذ، حيث كان والدها محمد سلطان باشا من كبار السياسيين المصريين ورئيسًا لمجلس النواب في عهد الخديوي إسماعيل، لكن الطفلة الصغيرة التي نشأت في بيت يعج بالحشم والخدم، وجدت نفسها منذ صغرها أمام مفارقة بين حياة القصور وبين واقع المرأة في المجتمع، الذي كان يحرمها من أبسط حقوقها في التعليم والحركة والرأي.

تلقت تعليمها في البيت على يد مدرسين خصوصيين في اللغات العربية والفرنسية، وبدأ وعيها السياسي يتشكل باكرًا حين كانت تسمع أحاديث الرجال عن السياسة، وحكايات أبيها عن كفاح المصريين ضد الاستعمار الإنجليزي، لم تكن مجرد مستمعة، بل كانت تطرح الأسئلة وتفكر وتناقش، حتى وصفها بعض معلميها بأنها تملك “عقلًا لا يعرف القيود”.

زواج مبكر ومقاومة صامتة

في سن الثالثة عشرة، فُرض عليها الزواج من ابن عمها علي شعراوي باشا، وهو يكبرها بعدة سنوات، فكان ذلك الحدث نقطة تحول في حياتها، عاشت تجربة الزواج في سن مبكرة بشعور من الرفض الداخلي، لكنها تعلمت كيف تحوّل الألم إلى قوة، كانت العلاقة مع زوجها معقدة في البداية بسبب اختلاف الطباع، لكنها استطاعت مع مرور الوقت أن تكسب احترامه وتجعله شريكًا في بعض أفكارها الإصلاحية.

ورغم أن حياتها الزوجية لم تخلُ من الصعوبات، فإنها كانت بداية انطلاقها نحو عالم أوسع، فقد سمح لها زوجها بالمشاركة في بعض الأنشطة الاجتماعية، وبدأت تتصل بسيدات من طبقات مختلفة، مما جعلها تكتشف حجم المعاناة التي تعيشها المرأة المصرية في ظل الجهل والتقاليد الصارمة.

بداية النضال النسوي

بدأت هدى شعراوي نشاطها العام في مطلع القرن العشرين من خلال الجمعيات الخيرية، عام ١٩٠٨، أسست “جمعية الرقي الأدبي للسيدات” لتعليم الفتيات القراءة والكتابة وتوعيتهن بحقوقهن، كانت تلك الخطوة الأولى في مشروعها الأكبر، تحرير المرأة المصرية.

وفي عام ١٩١٠، نظمت أول مؤتمر نسائي في مصر، تحدثت فيه عن حق المرأة في التعليم والعمل والمشاركة السياسية، في وقت كانت فيه مثل هذه المطالب تُعتبر جريمة اجتماعية، كانت تمتلك جرأة الكلمة وصدق الإحساس، وكانت تكتب المقالات وتنشرها في الصحف بأسماء مستعارة، تدعو فيها إلى إصلاح أوضاع النساء وإشراكهن في الحياة العامة.

المرأة والسياسة في زمن الاحتلال

حين اندلعت ثورة ١٩١٩، خرجت هدى شعراوي إلى الشارع لأول مرة وسط جموع النساء، ترفع علم مصر وتهتف ضد الاحتلال البريطاني، كانت تلك اللحظة التاريخية إعلانًا واضحًا أن المرأة لم تعد متفرجة على السياسة، بل أصبحت فاعلة فيها.

قادت مظاهرات السيدات المصريات من الطبقة العليا، مرتديات السواد حدادًا على شهداء الثورة، وظهرت وقتها شخصية هدى شعراوي بوصفها قائدة نسوية وطنية، استطاعت أن توحد سيدات من مختلف الطبقات الاجتماعية تحت شعار “الحرية لمصر والكرامة للمرأة”.

أنشأت اللجنة المركزية للسيدات الوفديات لدعم حزب الوفد، وسافرت ضمن وفد مصري إلى أوروبا عام ١٩٢٣ للمشاركة في مؤتمر الاتحاد النسائي الدولي في روما، وهناك وقعت اللحظة التاريخية التي خلدها التاريخ، خلعت الحجاب عند نزولها من القطار في محطة القاهرة، معلنة بداية عهد جديد للمرأة المصرية.

خلع هدى شعراوي للحجاب لم يكن مجرد تصرف شخصي أو تمرد على تقليد، بل كان فعلًا رمزيًا قويًا يحمل رسالة واضحة بأن حرية المرأة لا يمكن أن تُقاس بقطعة قماش، بل بقدرتها على التفكير والتعبير والمشاركة، أثار الموقف ضجة كبرى في المجتمع، وانقسم الناس بين مؤيد يرى في فعلها شجاعة، ومعارض اعتبرها خارجة عن التقاليد.

لكنها ظلت ثابتة على موقفها، وأكدت أن دعوتها ليست ضد الدين كما حاول البعض تصويرها، بل ضد الجمود الاجتماعي الذي جعل المرأة سجينًا للعادات لا للشريعة، كتبت في مذكراتها :”ما أردته هو أن أُعيد للمرأة المصرية إنسانيتها، وأن أجعلها شريكة في بناء الوطن لا ظلًا في البيت”.

وحتي إن كنا معارضين بفطرتنا الدينيه ، لهذا الفعل فقد أوضحت وجهة نظرها .

تأسيس الاتحاد النسائي المصري

في العام نفسه (١٩٢٣)، أسست الاتحاد النسائي المصري، وهو أول تنظيم رسمي يعبر عن حركة نسائية منظمة في مصر، عمل الاتحاد على رفع مستوى تعليم الفتيات، والدعوة إلى منح المرأة حق الانتخاب والترشح، والمطالبة بإصلاح قوانين الأحوال الشخصية، ومن خلال مجلته “المصرية”، التي كانت تصدرها هدى شعراوي، عبّرت النساء لأول مرة بصوتهن عن قضاياهن ومشاكلهن، في لغة سياسية ناضجة ومواقف فكرية جريئة.

تحت قيادتها، أصبح الاتحاد النسائي المصري صوتًا مسموعًا داخل مصر وخارجها، فقد كانت تراسل الجمعيات النسوية في أوروبا، وتشارك في المؤتمرات الدولية، وتنقل صورة المرأة المصرية بوصفها نموذجًا للنهضة والتغيير.

تعرف أيضا علي… محمد حسنين هيكل…

هدى شعراوي والسياسة الخارجية

لم تكن قضايا هدى شعراوي محصورة في الحدود المصرية، بل كانت ترى أن المرأة العربية كلها يجب أن تنهض، أسست الاتحاد النسائي العربي عام ١٩٤٤ بالقاهرة، بعد أن جمعت سيدات من مختلف البلدان العربية، في أول خطوة نحو تنسيق الجهود النسوية عربيًا، كانت تؤمن أن تحرر المرأة مرتبط بتحرر الأوطان من الاستعمار، وأن الاستقلال السياسي لا يكتمل إلا باستقلال العقل والضمير.

وقد استخدمت الصحافة والإعلام كأداة فعالة في نشاطها السياسي، فكانت تكتب مقالات ناقدة، وتخاطب الحكومات بلغات العصر، وتحاور الصحف الأجنبية لتصحيح صورة المرأة الشرقية في الغرب، كانت ببساطة سياسية بالفطرة وصحفية بالقلم والرسالة.

مواقف هدى شعراوي من القضايا الوطنية

وقفت هدى شعراوي إلى جانب الزعيم سعد زغلول، وساندت الحركة الوطنية بكل ما تملك، وحين أُبعد الزعيم إلى سيشيل، كانت من أوائل من كتبن بيانات الاحتجاج، وشاركت في جمع التبرعات لعائلات المناضلين، كما نادت بضرورة توحيد صفوف المصريين مسلمين وأقباطًا، معتبرة أن الوطنية لا تقوم إلا على الوحدة.

وفي مقالاتها الصحفية، كانت تنتقد ازدواجية المجتمع الذي يفاخر بتحرره السياسي بينما يبقي نصفه الآخر – أي النساء – تحت قيود الجهل، كتبت مرة تقول : “لا يمكن لأمة نصفها أسير أن تسير بخطى ثابتة نحو الحرية”.

 

العلاقة بين الصحافة والنضال النسوي

أدركت هدى شعراوي مبكرًا أن الكلمة يمكن أن تكون سلاحًا أشد من السيف، استخدمت الصحافة كمنبر لتغيير المفاهيم، ومن خلال مقالاتها في المجلات المصرية والعربية، نشرت أفكارها حول التعليم، الزواج المبكر، عمل المرأة، وأهمية المشاركة السياسية، كانت تؤمن بأن الإعلام هو بوابة الوعي، وأن كل مقالة تُكتب بصدق يمكن أن تغيّر عقلًا أو توقظ ضميرًا.

ولهذا، كانت تهتم بتدريب الشابات على الكتابة والخطابة، وتشجعهن على خوض العمل الصحفي، يمكن القول إن هدى شعراوي كانت من أوائل من مهدن الطريق أمام الصحفيات المصريات اللاتي ظهرن لاحقًا مثل أمينة السعيد ودرية شفيق وسميرة موسى وغيرهن.

هدى شعراوي والحداثة الاجتماعية

لم تكن دعوتها للحرية مقتصرة على السياسة، بل امتدت إلى الإصلاح الاجتماعي، دعت إلى تحسين أوضاع المرأة العاملة، وتأسيس مدارس للفتيات، وإنشاء دور حضانة لأطفال العاملات، كما طالبت بتعديل قوانين الأحوال الشخصية لتضمن للمرأة حق الطلاق وحضانة الأبناء.

وفي زمن كانت فيه هذه المطالب تُعد ضربًا من الخيال، استطاعت أن تضعها على طاولة النقاش العام، لم تكن فقط تطالب، بل كانت تنفذ على أرض الواقع، فأنشأت مشروعات خيرية ومستوصفات نسائية، وأسست مدرسة لتعليم الفتيات الحرف والمهن، لتجعل من المرأة عنصرًا منتجًا لا تابعًا.

تأثيرها على الأجيال التالية

رحلت هدى شعراوي في ١٢ ديسمبر ١٩٤٧، لكنها تركت إرثًا ضخمًا من الفكر والنضال، كانت وفاتها صدمة لكل من آمن برسالتها، لكنها لم تمت في الذاكرة، إذ ظلت كلماتها وأفعالها حية في وجدان النساء اللاتي تبعن خطاها، فمنها استلهمت د. نوال السعداوي جرأتها في الفكر، ودرية شفيق عزيمتها في السياسة، وأمينة السعيد رؤيتها للصحافة كقوة تغيير.

حتى يومنا هذا، لا تزال المؤسسات النسائية في مصر والعالم العربي تحتفي باسمها، وتستحضر سيرتها كنموذج للمرأة القائدة التي سبقت عصرها.

هدى شعراوي في ذاكرة الإعلام

تناولت الصحف المصرية والعربية سيرتها في مناسبات عديدة، وتم إنتاج برامج وثائقية وأفلام عنها، وفي كل مرة يُذكر اسمها، يتجدد النقاش حول دور المرأة في المجتمع والسياسة، لقد أصبحت رمزًا إعلاميًا، ليس فقط لما أنجزته، بل لما تمثله من قيم، الحرية، والجرأة، والإيمان بالعقل الإنساني.

رؤية ختامية

هدى شعراوي لم تكن مجرد ناشطة نسوية أو سياسية، بل كانت صوتًا وضميرًا لأمة، استخدمت الصحافة سلاحها، والتعليم وسيلتها، والإيمان بالحق طريقها، علّمتنا أن التغيير يبدأ من الفكر، وأن الدفاع عن المرأة ليس معركة ضد الرجل بل ضد الجهل والتعصب.

وفي زمننا الحالي، حيث تتجدد التحديات وتتبدل الأدوار، تبقى رسالتها صالحة، أن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع بالوعي، وأن الكلمة قادرة على أن تفتح الأبواب المغلقة أمام الأجيال الجديدة من الصحفيات والسياسيات والمفكرات.

هدى شعراوي، لم تكن فقط سيدة من الماضي، بل هي روح تتجسد في كل امرأة مصرية تؤمن أن قلمها وصوتها هما طريقها إلى المجد.

تابعنا أيضا هنا…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock