مروان البرغوثي ـ الأسير الذي أصبح وطناً

بقلم: آية محمد حسان
في صباحٍ رمادي من حزيران عام 1959، وُلد طفل في قرية كوبر شمال رام الله، لم يكن أحد يعلم أن هذا الطفل سيحمل لاحقاً واحدًا من أثقل الأسماء في الذاكرة الفلسطينية.
ولد مروان البرغوثي في بيتٍ بسيط تحيطه الحقول وأشجار الزيتون، وتُسمع فيه قصص النكبة كما تُروى الحكايات قبل النوم. نشأ في بيئةٍ تؤمن أن الأرض ليست مجرد تراب، بل هوية تُورَّث، وأن الاحتلال ليس قدراً، بل امتحانٌ للكرامة. ومنذ صغره، كان يشعر أن ما يعيشه الفلسطينيون لا يمكن أن يستمر دون مواجهة.
كبر مروان وهو يرى الجنود يقتحمون القرى، والأطفال يُعتقلون، والشهداء يُشيّعون كل يوم. تلك الصور لم تمرّ مرور العابرين في ذهنه، بل حفرت داخله إيماناً عميقاً بأن الوطن لا يُحرَّر بالكلمات وحدها. في سنوات مراهقته الأولى، انخرط في صفوف حركة “فتح”، ليبدأ طريقاً طويلاً من النضال والملاحقة والاعتقال.
اعتقال مروان البرغوثي لأول مرة
خلال دراسته الثانوية، تعرّض للاعتقال لأول مرة وهو في الخامسة عشرة من عمره، وهناك في الزنزانة اكتشف المعنى الحقيقي للمقاومة. لم تكن المقاومة بالنسبة له مجرّد سلاحٍ أو شعار، بل أسلوب حياة، ووعيٌ يتشكل في مواجهة الظلم. تعلم العبرية داخل السجن، وأدرك أن معرفة لغة العدو ليست ضعفاً، بل وسيلة لفهم طريقة تفكيره.
بعد خروجه، التحق بجامعة بيرزيت، وهناك بدأت ملامح القيادي تظهر بوضوح. انتُخب رئيساً لمجلس الطلبة، وقاد احتجاجات طلابية قوية ضد الاحتلال. لم يكن يهتف فقط، بل كان ينظّم، يحاور، ويكتب البيانات بلهجةٍ ثائرة تُشعل حماس زملائه. في الجامعة، تشكّل وعيه السياسي والفكري، وتعرّف على مفاهيم الحرية والعدالة والعمل الجماعي. نال البكالوريوس في التاريخ والعلوم السياسية، ثم الماجستير في العلاقات الدولية، ليجمع بين التجربة الميدانية والفكر الأكاديمي، وهي ميزة نادرة بين القيادات الفلسطينية.
مع اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، كان مروان البرغوثي من أبرز الوجوه الميدانية التي أدارت الحراك الشعبي ضد الاحتلال. لم يكن قائداً بعيداً عن الناس، بل واحداً منهم. كان يشارك في التظاهرات، ويقود المواجهات، ويؤمن أن المقاومة هي حق طبيعي في وجه من سلب الأرض والكرامة. ومع توقيع اتفاقية أوسلو في التسعينيات، وجد نفسه أمام تحدٍ جديد: كيف يوازن بين خيار المقاومة وخيار السياسة؟

بدايته السياسية
اختار مروان البرغوثي أن يخوض العمل السياسي من الداخل، فكان أحد مؤسسي “حركة الشبيبة الفتحاوية” التي جمعت بين الوعي الوطني والعمل المنظم. وفي عام 1996، انتُخب عضواً في المجلس التشريعي الفلسطيني، ليصبح أحد الأصوات البارزة التي تطالب بالإصلاح داخل السلطة الوطنية. لم يتردد في انتقاد الفساد أو الانقسام، وكان يصرّ على أن المقاومة لا تتعارض مع بناء المؤسسات، بل تتكامل معها.
ومع اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، عاد البرغوثي إلى الميدان، هذه المرة بصفته سياسياً وميدانياً في آنٍ واحد. كانت قوات الاحتلال تراقبه عن كثب، وتعتبره من أبرز المحرّضين على المقاومة. في أبريل عام 2002، اعتقلته إسرائيل بعد عملية اجتياح واسعة للضفة الغربية، لتبدأ فصلاً جديداً من حكاية القائد الذي تحوّل إلى رمز.
في محاكمته، رفض مروان الدفاع عن نفسه، معلناً أن الاحتلال لا يملك الشرعية لمحاكمته. كان يقف أمام القضاة بثقة، يتحدث بالعبرية التي تعلمها داخل السجن قبل سنوات، ويقول لهم: “أنا أؤمن بالحرية لشعبي كما تؤمنون بها لأنفسكم، والاحتلال هو الجريمة الحقيقية”. هذه اللحظة جعلت منه رمزاً يتجاوز الجغرافيا، وصار الفلسطينيون والعرب يرون فيه نموذج القائد الذي لا يساوم على كرامته.
حُكم عليه بخمس مؤبدات وأربعين عاماً إضافية، لكن هذا الحكم لم يكن نهاية الحكاية، بل بدايتها الحقيقية. من داخل الزنزانة، بدأ يكتب الرسائل والبيانات السياسية، يدعو إلى الوحدة الوطنية ووقف الانقسام، ويؤكد أن فلسطين لا يمكن أن تتحرر إلا بتوحد أبنائها. كانت رسائله تصل إلى الخارج كأنها قادمة من منبرٍ حرّ لا من جدران سجن.
في عام 2006، شارك من داخل الأسر في صياغة “وثيقة الأسرى” التي دعت إلى وحدة الصف الفلسطيني، واعتُبرت واحدة من أهم المبادرات السياسية التي خرجت من السجون الإسرائيلية. أثبت من خلالها أن السجن لا يقتل الفكر، بل قد يكون المكان الذي تولد فيه الرؤى الكبرى.
تحوّل مروان البرغوثي إلى ما يشبه الأسطورة في الوعي الشعبي الفلسطيني. في كل مسيرة تضامن، تُرفع صوره إلى جانب صور القدس، وفي كل مناسبة وطنية يُذكر اسمه كرمزٍ للصمود. صار “مانديلا فلسطين”، لا تشبيهاً فقط، بل واقعاً. مثل نيلسون مانديلا، جمع بين الفكر والموقف، بين السجن والقيادة، وبين الألم والأمل.
تعرف أيضا علي… عبدالله البرغوثي… المهندس الذي اوجع الاحتلال…
حتى وهو داخل الزنزانة، ظلّ فاعلاً في الحياة السياسية. في الانتخابات الفلسطينية عام 2005، ارتفعت الأصوات التي طالبت بترشيحه لرئاسة السلطة الفلسطينية، ورغم منعه من خوض الانتخابات، بقي اسمه الأكثر حضوراً في استطلاعات الرأي، إذ كان الناس يرونه قائداً نزيهاً لم تلوثه المصالح.
البرغوثي لم يتوقف عند حدود المقاومة، بل تبنّى رؤية واضحة للمستقبل: إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967، والاعتراف الواقعي بوجود إسرائيل ضمن إطار العدالة والحقوق المتبادلة. كان يرى أن إنهاء الاحتلال لا يعني نهاية الصراع فقط، بل بداية الحياة الطبيعية التي يستحقها الشعب الفلسطيني بعد عقود من المعاناة. قال في إحدى رسائله: “نحن لا نسعى إلى تدمير أحد، بل إلى أن نعيش أحراراً على أرضنا”.
ظروف احتجازه كانت ولا تزال قاسية. العزلة الانفرادية، الحرمان من الزيارات، النقل المتكرر بين السجون، ومحاولات كسر إرادته، كلها تفاصيل توثّقها منظمات حقوقية دولية. لكنه رغم ذلك، لم يتراجع عن موقفه، بل خاض إضرابات متكررة عن الطعام احتجاجاً على المعاملة السيئة، وكان آخرها إضراب استمر أكثر من 40 يوماً، ألهم الآلاف من الأسرى لينضموا إليه.
رمزية البرغوثي تتجاوز كونه أسيراً سياسياً. هو اليوم جزء من الهوية الفلسطينية، نموذجٌ للإنسان الذي يواجه القيد بالعقل والإيمان، لا بالعنف فقط. في كل خطاب أو مظاهرة أو تقرير دولي، يُستشهد باسمه كدليلٍ على أن الاحتلال لا يمكن أن يسجن الفكرة. حتى خصومه يعترفون بقوته وتأثيره. الصحف الإسرائيلية تصفه أحياناً بـ“الخطر الهادئ”، لأنه يملك قدرة على توحيد الفلسطينيين رغم السجن، وهو أمر تخشاه إسرائيل أكثر من أي سلاح.
وفي المشهد الفلسطيني المليء بالانقسام، يبقى مروان البرغوثي نقطة التقاء نادرة. تلتف حوله فصائل مختلفة، من فتح إلى حماس إلى الجهاد الإسلامي، لأنه يمثّل فكرة الوطن قبل التنظيم، ويمتلك رصيداً من الاحترام حتى من خصومه السياسيين. في أوساط الشباب، يُنظر إليه كقائد مختلف، صادق، غير ملوث بالفساد أو المصالح الشخصية، ومخلص لفكرته حتى النهاية.
من خلف القضبان، يواصل إرسال رسائله التي تحمل دائماً نغمة الأمل. يقول في إحداها:“إنني أرى الحرية في عيون الأسرى، وأسمعها في أنين أمهاتهم، وأؤمن أن فلسطين ستولد من رحم هذا الصبر الطويل.”
لقد صار مروان البرغوثي مدرسة في النضال لا في السياسة فحسب، مدرسة تقول إن القيادة ليست مقعداً ولا سلطة، بل التزامٌ تجاه قضية وعدالة لا تموت.
ومع مرور أكثر من عقدين على اعتقاله، لم يختفِ اسمه يوماً من وجدان الفلسطينيين. في كل بيتٍ أسير، هناك من يذكره. في كل جامعة، هناك من يقرأ خطبه ورسائله. في كل مظاهرة، هناك من يرفع صورته، كأنها راية أمل معلقة على جدار الزمن.
حياته تلخّص القصة الفلسطينية بأكملها: احتلال، مقاومة، سجن، ثم صمود لا ينتهي. وربما هذا ما يجعل سيرته ملهمة لكل جيل جديد يسأل: هل ما زال النضال ممكناً؟ فيجيب البرغوثي بصمته ووجوده قائلاً: “ما دام فينا نبض، فالمقاومة مستمرة”.
مروان البرغوثي ليس مجرد سجين سياسي، بل شهادة حيّة على أن القيد لا يصنع إلا مزيداً من الإيمان. فالسجون امتلأت، لكنها لم تفرغ من الإرادة. وحين تذكر فلسطين قادتها الأحرار، سيكون اسمه بين أوائلهم، لأنه اختار الطريق الأصعب: طريق الثبات.
قد يطول غيابه، وقد يظلّ الاحتلال متمسكاً باعتقاله، لكن التاريخ لا ينسى الذين حملوا راية الحرية. ومروان البرغوثي هو أحد أولئك الذين كتبوا أسماءهم بدمهم وصبرهم، وجعلوا من السجن منبراً للكرامة.
إنه نموذج للإنسان الفلسطيني الذي لا يُقهر، وللقائد الذي فهم أن الوطن لا يُختزل في منصب، بل يُبنى بتضحيات الذين آمنوا أن الحرية ليست حلماً بعيداً، بل حقاً قريباً مهما طال الليل.
فإذا كانت فلسطين لا تزال تبحث عن خلاصها، فإن سيرة مروان البرغوثي تذكّرها أن الطريق وإن طال، فإن الأمل لا يُسجن.



