محمد متولي الشعراوى.. الداعية الذى أنصتت له القلوب قبل العقول

كتبت: ميرنا عرابى
في زمنٍ امتلأ بالضجيج والاختلاف، بزغ نور من قرية صغيرة في دلتا مصر، ليضيء عقول الملايين ويمسّ قلوبهم بكلماتٍ من نور القرآن، إنه الشيخ محمد متولي الشعراوي، العالم الجليل الذي جمع بين العلم والإيمان، والعقل والروح، والبلاغة والبساطة، ليصبح رمزًا خالدًا في تاريخ الدعوة الإسلامية.
نشاة الشيخ الشعراوي
وُلد الشيخ محمد متولي الشعراوي في 15 أبريل عام 1911 بقرية دقادوس التابعة لمحافظة الدقهلية في مصر، و نشأ في أسرة متوسطة، وكان والده محبًا للعلم، فحفظه القرآن الكريم كاملًا وهو في سن الحادية عشرة، ومنذ طفولته، ظهرت عليه علامات الذكاء والفصاحة، وحب اللغة العربية والتفسير.
التحق الشيخ الشعراوي بـ معهد الزقازيق الأزهري، ثم واصل دراسته في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، وتخرج فيها عام 1940، وكان من الطلاب المتفوقين في البلاغة والأدب، مما أهّله ليصبح أستاذًا في اللغة والتفسير، وكانت دراسته في الفلسفة و البلاغة أساساً لأسلوبه العميق في تفسير القرآن.

رحلته للعلم والدعوة
بدأ الشعراوي مسيرته كمدرسٍ للغة العربية في المعاهد الأزهرية، ثم سافر إلى السعودية ليعمل أستاذًا بجامعة الملك عبد العزيز، هناك، كان له تأثير كبير على طلابه، بأسلوبه الفريد في ربط آيات القرآن بالحياة اليومية.
بعد عودته إلى مصر، تولى عدة مناصب منها:
وزير الأوقاف وشؤون الأزهر عام 1976
عضو مجمع البحوث الإسلامية
مدير مكتب شيخ الأزهر الأسبق
لكنه لم يكن مجرد مسؤول، بل كان داعيةً قريبًا من الناس، يتحدث بلغتهم، ويفهم همومهم، ويزرع فيهم حب الله واليقين برحمته، وكان الناس تنصت له بقلوبهم قبل عقولهم.

و أحدث الشيخ الشعراوي ثورة في الخطاب الديني من خلال برنامجه الشهير ” خواطر الشعراوي “، ونال على شهرة واسعة بسبب متابعة الملايين من العالم العربي للبرنامج، وكان يفسر فيه آيات القرآن بأسلوب بسيط، لكنه ملئ بالعمق والمعاني، وأصبح صوته المميز و طريقته الهادئة في الكلام رمزًا للخطاب الديني الوسطي في مصر والعالم العربي، وكان يقول دائما:(أنا لا أفسر القرآن، ولكن أعيش في ظلاله، وأتامل معانيه) .
و كان الشيخ الشعراوي يؤمن أن الإيمان لا ينفصل عن العقل، وأن التدين لا يعني الانعزال عن الحياة، و ركز في دروسه على معنى الرضا بالقضاء، وحسن الظن بالله، والتفكير في نعمه، كما كان يرفض التطرف، ويدعو إلى الاعتدال والتسامح، مؤكدًا أن الدين جوهره الرحمة لا القسوة.

الجوائز والأوسمة التي حصل عليها الشيخ الشعراوي:
1. وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى من الرئيس جمال عبد الناصر عام 1962: تقديرًا لدوره البارز في التعليم والدعوة الإسلامية.
2. وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى من الرئيس أنور السادات عام 1976: بعد تولّيه وزارة الأوقاف، وإسهامه في تطوير الفكر الديني بأسلوب مبسط وعميق.
3. وسام الجمهورية من الطبقة الأولى من الرئيس محمد حسني مبارك عام 1988: تقديرًا لمكانته العلمية ودوره الكبير في تفسير القرآن ونشر الوعي الديني الوسطي.
4. جائزة الدعوة الإسلامية من رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة: اعترافًا بإسهاماته الكبيرة في خدمة الإسلام والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.
5. تكريم من الأزهر الشريف: لأنه من أبرز علماء الأزهر في القرن العشرين، وكرّمه الأزهر بعد وفاته أكثر من مرة على إرثه الدعوي والعلمي.

حياته الخاصة
تزوج محمد متولي الشعراوي وهو في الثانوية بناءً على رغبة والده الذي اختار له زوجة، ووافق الشيخ الشعراوي على اختياره، لينجب منها ثلاثة أولاد وبنتين، فالأولاد: سامي، وعبد الرحيم وأحمد، والبنتان فاطمة وصالحة، وكان الشيخ يرى أن أول عوامل نجاح الزواج هو الاختيار والقبول من الطرفين والمحبة بينهما، وعُرف بتواضعه وبساطته، وكان يحب الجلوس بين الناس، يسمع إليهم ويبتسم لهم، وكأنه واحد منهم.
وفاته وإرثه الخالد
توفي الشيخ محمد متولي الشعراوي في 17 يونيو عام 1998 عن عمر ناهز 87 عامًا، تاركًا وراءه إرثًا علميًا وروحيًا لا يُقدّر بثمن، ولا تزال خواطره وتفسيراته تملأ القنوات والكتب والمكتبات، وتُدرّس للأجيال كمنهجٍ في الفهم السليم للدين.

من أقواله المأثورة:
” إذا لم تزد شيئاً على الدنيا كنت أنت زائداً عليها “.
“من عرف الله هانت عليه مصائب الدنيا.”
“اعمل ولا تنتظر المقابل، فالله لا ينسى أجر من أحسن عملاً.”
تعرف أيضا على: نجيب محفوظ.. حين تحدثت مصر إلي العالم بلغة الأدب
لم يكن الشيخ الشعراوي مجرد داعية، بل كان ضميرًا حيًا للأمة وصوتًا للحق والرحمة، و كلماته ما زالت تُضيء الطريق لكل من يبحث عن الطمأنينة والإيمان، وذكراه تظل خالدة في قلوب الملايين الذين أحبوه دون أن يروه، رحل الجسد، لكن بقي أثر العلم، وبقي صدى صوته يقول: “كن مع الله، يكن الله معك”.



