مقالات

متلازمة كوتار _ الوهم الذي يدفع صاحبه إلى الموت

كتب/ آيه محمد حسان

في عالمٍ تتشابك فيه العقول بين الواقع والخيال، تبرز بعض الاضطرابات النفسية بوصفها ألغازًا غامضة تتحدى فهم الإنسان وقدرته على استيعاب ذاته، من بين هذه الاضطرابات تأتي متلازمة كوتار، أو ما يُعرف بـ وهم الموت الحي، وهي واحدة من أشد الحالات النفسية ندرة ورعبًا، إذ تجعل المصاب يعتقد اعتقادًا جازمًا بأنه ميت، أو أنه فاقد لروحه، أو أن أعضاء جسده توقفت عن العمل أو اختفت، قد يبدو الأمر محض خيال، لكنه واقع يعيشه بعض الأشخاص داخل دوامة لا يراها أحد، تدفعهم رويدًا نحو الهلاك الحقيقي.

متي تظهر متلازمة كوتار؟

تظهر متلازمة كوتار عادة لدى الأشخاص المصابين باكتئاب شديد أو اضطرابات ذهانية، لكنها قد تطرأ أيضًا بعد صدمات نفسية حادة أو أمراض عصبية، يبدأ الشخص في فقدان إحساسه بذاته، ثم يفقد الثقة في وجود جسده، لتتكوّن لديه قناعة ثابتة بأنه غير موجود أصلاً.

يتحدث بعض المصابين عن شعور غريب يسري فيهم، يجردهم من إحساسهم بالحياة، فيقول أحدهم إنه لا يشعر بدقات قلبه، ويؤكد آخر أن جسده خالٍ من الدم، وتصر امرأة على أنها فقدت أمعاءها وأنها لا تحتاج إلى الطعام،
هذه ليست مجرد أفكار عابرة، بل أوهام راسخة تسيطر على الوعي وتطمس الإحساس بالواقع، إلى الحد الذي يجعل المصاب غير قادر على استيعاب أنه ما يزال على قيد الحياة.

خطر متلازمة كوتار

الخطر الأكبر لا يكمن في وهم الموت نفسه، بل فيما يترتب عليه، فحين يؤمن الإنسان بموته، يتوقف في الغالب عن ممارسة أبسط مظاهر الحياة، يتوقف عن الأكل لأنه “مات ولا يحتاج إلى الطعام”، يمتنع عن الاستحمام لأنه “جسد بلا حياة”، وقد يرفض حتى الكلام لأنه يرى أنه لا جدوى من التواصل مع الآخرين.

بعض المصابين يتركون أنفسهم للجوع والعطش حتى تنهار أجسادهم، وبعضهم يقف أمام الخطر بلا خوف، بل ربما يتطلّع إليه، لأنه يظن أنه مات بالفعل ولن يُصاب بشيء، وهناك حالات سُجلت حاول فيها المرضى الانتحار، ليس بدافع الهروب من الألم، بل لأنهم مقتنعون بأنهم أنهوا حياتهم وأن عليهم “إكمال” هذا الواقع المتخيل،
إنه أشبه بالسير على حافة هاوية مظلمة، ينتقل فيها الإنسان من وهم الموت إلى الموت نفسه بطريقة بطيئة وقاسية.

لماذا يحدث هذا الاضطراب؟

يحاول العلماء تفسير متلازمة كوتار من خلال عوامل متقاربة، تجمع بين البيولوجي والنفسي، تشير بعض الدراسات إلى أن نشاطًا غير طبيعي في مناطق الدماغ المسؤولة عن إدراك الذات، مثل الفص الجبهي والفص الجداري، يمكن أن يلعب دورًا مؤثرًا.

كما يرتبط الاضطراب ارتباطًا كبيرًا بالاكتئاب الحاد، والاكتئاب الذهاني تحديدًا، حيث يفقد الدماغ قدرته على معالجة المشاعر بصورة طبيعية، فينشأ نوع من الانفصال بين الإنسان ونفسه.

لكن الأكثر إثارة للحيرة أن تجارب المرضى متباينة بشكل كبير، ما يجعل من الصعب وضع تفسير واحد شامل لهذه الحالة، فبعض المصابين يحتفظون بحس الواقع في كل شيء إلا في إدراكهم لذواتهم، بينما يفقد آخرون الاتصال بالعالم تمامًا.

كيف يعيش مريض متلازمة كوتار؟

لا يعيش المصاب بمتلازمة كوتار وهم الموت فقط، بل يعيش أيضًا عذاب الأحياء، فهو يدرك الألم، لكنه يشعر بأنه غير موجود، يبكي أحيانًا لأنه “ميت يشعر”، ويصرخ لأنه يعيش مفارقة قاسية لا يستطيع التخلص منها.

يصف أحد الأطباء النفسيين حالة لفتاة كانت تجلس ساعات طويلة في الظلام لأنها ترى أنه مكان “يليق بالأموات”، لم تكن تأكل إلا بعد إلحاح شديد، وكانت تكرر أنها لا تستحق البقاء لأنها فقدت روحها، هذه الحالات ليست مجرد قصص، بل حقائق موثقة تؤكد مدى المعاناة التي يعيشها المرضى.

وتُظهر الدراسات أن الأشخاص المصابين بالمتلازمة يعانون أيضًا من اضطرابات في النوم وفقدان الشهية ونوبات قلق حادة، وكأن العقل والجسد يتآمران على صاحبهما لإطفاء آخر شعلة للحياة.

كيف تُعالج متلازمة كوتار؟

رغم خطورتها، فإن متلازمة كوتار قابلة للعلاج، لكن الأمر يحتاج إلى تدخل مبكر ومكثف،
يقوم العلاج عادة على ثلاثة محاور:

1. العلاج الدوائي

يُستخدم مضادات الاكتئاب ومضادات الذهان للسيطرة على الأعراض التي تؤدي إلى ترسيخ الوهم، تساعد الأدوية في إعادة التوازن الكيميائي للدماغ، وتخفيف المشاعر السلبية التي تغذي فكرة “الموت”.

2. العلاج المعرفي السلوكي

يعمل الأطباء على تفكيك الوهم تدريجيًا، ومساعدة المريض على استعادة اتصال هادئ ومتدرج مع الواقع، يعيدونه إلى الشعور بجسده، ويناقشون معه مشاعره دون صدام أو إنكار.

3. العلاج بالصدمات الكهربائية (ECT)

يُعد من أنجح طرق العلاج في الحالات الشديدة، خاصة إذا كان المريض يرفض الطعام أو يميل إلى إيذاء نفسه، ورغم أن هذا العلاج يبدو للبعض مخيفًا، إلا أن نتائجه في حالات متلازمة كوتار كانت مذهلة في إعادة الحياة إلى المرضى.


دور الأسرة والمجتمع

قد تكون الكلمة التي يقولها أحد أفراد العائلة سببًا في إنقاذ حياة شخص يتهاوى تحت وهم الموت، المريض يحتاج إلى من يطمئنه، من يرافقه في رحلة العلاج، من يذكّره بأنه موجود، وأنه ليس وحيدًا.

لا يجب تجاهل العلامات التي تسبق المتلازمة، مثل العزلة الشديدة، فقدان الشغف، الكلام عن الموت، أو عدم الاهتمام بالنظافة والطعام.

المجتمع أيضًا عليه دور مهم في نشر الوعي بالأمراض النفسية، والتعامل معها دون وصمة أو سخرية، لأن مثل هذه الاضطرابات قد تكون أقوى مما يستطيع الإنسان مقاومته وحده.

لماذا تدفع متلازمة كوتار صاحبها للموت؟

تكمن الخطورة في أنها تتجاوز فكرة الوهم لتتحول إلى قناعة كاملة بأن الحياة انتهت بالفعل،
ومتى فقد الإنسان إيمانه بحياته، فقد إرادته في الحفاظ عليها.

الموت يبدأ من العقل قبل أن يصل إلى الجسد، وعندما يقتنع العقل بأن دورة الإنسان اكتملت، يصبح السقوط أقرب من أي وقت مضى، المريض يتوقف عن العناية بنفسه، يتوقف عن الأكل، يتوقف عن التواصل، فيذبل شيئًا فشيئًا، حتى يصبح الموت نهاية طبيعية لوهم صنعه العقل وحده.

متلازمة كوتار تذكّرنا بأن العقل قادر على أن يصنع جنة أو جحيمًا لصاحبه، قد يعيش الإنسان وهو يشعر بأنه قد مات، وقد يعود للحياة من جديد بأبسط لمسة دعم أو كلمة طمأنينة أو خطة علاجية سليمة.

هذا الاضطراب ليس حُكمًا نهائيًا بالموت، بل صرخة استغاثة من عقل غارق في الظلام، يبحث عمن يمسك بيده ويعيده إلى الضوء، الحياة أوسع من وهم، وأقوى من فكرة، وأجمل من أن تُترك لعقل يائس يعلن نهايتها بدون حق.

تابعنا ايضا هنا…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock