متلازمة أسبرجر.. جانب غير مرئي من طيف التوحد

كتبت: ميرنا عرابى
ما هي متلازمة أسبرجر؟
متلازمة أسبرجر هي اضطراب نمائي عصبي يُعد أحد أشكال طيف التوحد، لكنها تُصنَّف ضمن الحالات ذات الأداء العالي لأن المصاب بها يمتلك ذكاء طبيعي أو أعلى من المتوسط، مع صعوبات واضحة في التواصل الاجتماعي وفهم الإشارات غير اللفظية.
تظهر المتلازمة غالبًا في مرحلة الطفولة المبكرة، وتستمر مدى الحياة، لكن مع التدريب والدعم يمكن للمصاب أن يعيش حياة طبيعية وناجحة.

و تعود جذور فهم متلازمة أسبرجر إلى أربعينيات القرن الماضي عندما قدّم الطبيب النمساوي هانز أسبرجر وصفًا دقيقًا لطفولة تتسم بقدرات معرفية عالية يصاحبها ضعف في التواصل الاجتماعي، ومع تطوّر علوم الأعصاب، اتضح أن المتلازمة ليست مرضًا نفسيًا، بل اختلاف في طريقة عمل الدماغ يؤثر على كيفية تفسير الفرد للمواقف الاجتماعية ولغة الجسد والمشاعر، وعلى الرغم من أن أعراضها قد تبدو تحديًا في البداية، فإن كثيرًا من الباحثين يؤكدون أن هذه الخصائص قد تُسهم في تشكيل عقول تحليلية دقيقة ومبدعة، ما يجعل المصابين بالمتلازمة قادرين على التميز في مجالات متعددة عندما تتاح لهم الفرصة والاهتمام المناسب.
الأعراض والسمات المميزة
تظهر المتلازمة من خلال مجموعة من العلامات التي تختلف في شدتها من شخص لآخر، ومن أبرزها:
• صعوبات التواصل الاجتماعي مثل تجنب التواصل البصري أو صعوبة فهم المشاعر والنكات.
• اهتمامات متخصصة ومركّزة في مجالات معينة كالرياضيات أو الفلك أو التكنولوجيا.
• لغة رسمية أو متقدمة مقارنة بالعمر.
• حساسية عالية تجاه الأصوات أو الروائح أو اللمس.
• التمسك بالروتين والصعوبة في تقبل التغيير المفاجئ.
ورغم هذه التحديات، يتمتع كثير من المصابين بقدرات تحليلية وذاكرة قوية وتميز واضح في مجالات معرفية محددة.

الأسباب
لا يوجد سبب واحد مؤكد للإصابة بمتلازمة أسبرجر، لكن الأبحاث تشير إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها:
1. عوامل وراثية — إذ يلاحظ وجود الحالة لدى عدة أفراد في العائلة.
2. اختلافات في نمو الدماغ — خاصة في المناطق المرتبطة بالتواصل والتفاعل . الاجتماعي.
3. عوامل بيولوجية أثناء الحمل — مثل العدوى الفيروسية أو نقص بعض العناصر.

طرق العلاج
على الرغم من عدم وجود علاج محدد، ولكن يوجد العديد من الأساليب تساعد في تحسين حالة المصاب، من أهمهم:
_ العلاج السلوكي لتطوير مهارات التواصل وتقليل السلوكيات غير المناسبة.
_ علاج النطق لتحسين مهارات اللغة والحوار.
_ البرامج الاجتماعية التي تعلم الطفل فهم المشاعر والتفاعل مع الآخرين.
_ الأدوية في حال وجود قلق أو اكتئاب أو اضطرابات مصاحبة.
يبقى الدعم الأسري والمدرسي أهم العناصر التي تمكّن الشخص من التكيف والنجاح.

نماذج ملهمة
حقق العديد من الأشخاص المصابين بمتلازمة أسبرجر نجاحات لافتة في مجالات العلم والتكنولوجيا والفنون، مثل:-
• تيم بيرنرز لي ( مخترع الإنترنت)
• إيلون ماسك (مؤسسة تسلا موتورز و سبيس إكس)

• إسحاق نيوتن(عالم الفيزياء الكلاسيكية)

• ألبرت أينشتاين ( عالم الفزياء ومؤسس النظرية النسبية التي غيرت فهم البشر)

و هذه النماذج تؤكد أن اختلاف طريقة التفكير قد يتحول إلى مصدر قوة وإبداع إذا وجد المصاب البيئة الملائمة.
تعرف أيضا على: متلازمة توريت.. اضطرابات الحركة اللاإرادية
في النهاية، تبقى متلازمة أسبرجر مثالًا حيًّا على أن الاختلاف لا يعني الضعف، وأن القدرات العقلية والمواهب قد تظهر بأشكال غير مألوفة، فالأطفال والبالغون المصابون بهذا الاضطراب يمتلكون إمكانات كبيرة يمكن أن تزدهر إذا وجدوا التفهّم والدعم المناسبين من الأسرة والمجتمع، إن إدراكنا لطبيعة المتلازمة والتعامل الإنساني مع المصابين بها هو الخطوة الأولى لدمجهم وتمكينهم من تحقيق النجاح، فكل عقل مختلف يحمل داخله فرصة جديدة للإبداع والتفوق.




