ماسة كوهينور…سر الجدل حولها ولماذا تعتبر رمزًا للاستعمار

كتبت: آية محمد حسان
تُعد ماسة كوهينور واحدة من أكثر الجواهر قيمة وإثارة للجدل في العالم، ليس فقط بسبب وزنها الكبير وبريقها الأخّاذ، ولكن أيضًا بسبب رحلتها التاريخية التي تعكس فصولًا من الصراعات السياسية والاستعمار والنهب.
فمنذ اكتشافها، تنقّلت هذه الماسة بين أيدي حكام وأباطرة من الهند إلى بلاد فارس، ومن أفغانستان إلى بريطانيا، حيث أصبحت جزءًا لا يتجزأ من جواهر التاج البريطاني.
لكن الماسة، التي تعني اسمها “جبل النور”، ليست مجرد حجر كريم ثمين؛ بل تمثل رمزًا للاستعمار والتوسع الامبراطوري، وتجسّد كيف استولت القوى العظمى على ثروات الدول الخاضعة لحكمها.
في هذا المقال، سنستعرض قصة كوهينور عبر العصور، ونتناول الجدل الدائر حولها، وأسباب اعتبارها رمزًا للاستعمار.
أصل ماسة كوهينور وقصتها عبر العصور
– اكتشافها في الهند
يرجع تاريخ ماسة كوهينور إلى أكثر من 800 عام، ويُعتقد أنها استُخرجت من مناجم جولكوندا في الهند، وهي واحدة من أقدم مناجم الألماس في العالم.
منذ اكتشافها، كانت هذه الماسة تُعتبر رمزًا للقوة الإلهية، حيث آمن الحكام الهنود بأن من يملكها سيحكم العالم، لكن الأسطورة كانت تحذر من أن “أي رجل يرتديها سيعاني من الحظ السيئ والمآسي، بينما النساء يمكنهن ارتداؤها دون خوف”.
– الماسة في عهد المغول
في القرن ال16، أصبحت الماسة جزءًا من كنوز الامبراطورية المغولية عندما غزا المغول الهند.
احتفظ بها الإمبراطور المغولي الشهير “بابر”، ثم انتقلت إلى ابنه “همايون”، ثم إلى “شاه جهان”، الامبراطور الذي بنى تاج محل.
كانت كوهينور مرصعة في عرش الطاووس الشهير، الذي كان أحد أغلى القطع الفنية في البلاط المغولي، لكن بعد سقوط الامبراطورية المغولية، تغيرت ملكية الماسة عدة مرات.
الاستيلاء عليها من قبل الفرس والأفغان
في عام 1739، غزا الحاكم الفارسي “نادر شاه”، الهند واستولى على كنوز المغول، ومن بينها ماسة كوهينور.
يُقال إنه عندما رأى الماسة لأول مرة، صاح قائلًا: “كوهينور!”، أي “جبل النور”، ومنذ ذلك الحين اشتهرت الماسة بهذا الاسم.
بعد اغتيال نادر شاه، انتقلت الماسة إلى “أحمد شاه دوراني”، مؤسس امبراطورية أفغانستان، وظلت في حوزة السلالة الدورانية لفترة، حتى فقدها أحد أحفاده لصالح “رانجيت سينغ”، حاكم إمبراطورية السيخ في البنجاب.
امبراطورية السيخ والحرب مع البريطانيين
كان “رانجيت سينغ”، آخر حكام امبراطورية السيخ، هو آخر حاكم هندي امتلك كوهينور، احتفظ بها كجزء من ممتلكاته الملكية، وكان يُقال إنه كان يعرضها بفخر لضيوفه في القصر.
لكنه توفي عام 1839، وبعد وفاته دخلت امبراطوريته في صراعات داخلية انتهت بهزيمة السيخ أمام البريطانيين.
كوهينور والاستعمار البريطاني
الحرب الأنجلو-سيخية ومعاهدة لاهور
في عام 1849، وبعد هزيمة السيخ في الحرب الأنجلو-سيخية الثانية، فرضت بريطانيا معاهدة لاهور، التي تضمنت شروطًا مهينة لصالح البريطانيين.، وكان من بين هذه الشروط تنازل الوريث الشرعي، المهراجا “دليب سينغ”، البالغ من العمر 11 عامًا، عن العرش وإهداء ماسة كوهينور للملكة فيكتوريا.
تم تسليم الماسة رسميًا إلى اللورد “دالهوزي”، الحاكم البريطاني في الهند، الذي أمر بنقلها إلى لندن كدليل على سيطرة بريطانيا الكاملة على الهند.
رحلتها إلى بريطانيا وإعادة قصها
تم إرسال الماسة على متن سفينة “إتش إم إس ميدوزا” إلى بريطانيا، حيث تم تقديمها للملكة فيكتوريا في قصر باكنغهام، لكن المفاجأة كانت أن الملكة لم تكن معجبة بها كما توقعت، حيث بدت الماسة غير براقة مقارنة بالمعايير الأوروبية؛ لذلك أمرت الملكة بإعادة قصّها وصقلها عام 1852، وهو ما قلّل حجمها من 186 قيراطًا إلى 105.6 قيراط، لكنه جعلها أكثر بريقًا وتألقًا.
دورها في جواهر التاج البريطاني
منذ ذلك الوقت، أصبحت كوهينور جزءًا من التاج الملكي البريطاني.
ارتدتها الملكة “فيكتوريا كدبوس”، ثم أُدرجت لاحقًا في تاج الملكة “ألكسندرا”، ثم تاج الملكة “ماري”، وأخيرًا تاج الملكة “إليزابيث” -زوجة الملك جورج السادس-.
حاليًا، تُعرض الماسة في برج لندن، مما يجعلها واحدة من أشهر الأحجار الكريمة في العالم.
الجدل حول ملكية كوهينور
المطالبات بإعادتها
منذ استقلال الهند عام 1947، طالبت الحكومة الهندية مرارًا بإعادة الماسة، معتبرة أنها سُرقت خلال فترة الاحتلال البريطاني.
كما قدمت باكستان وأفغانستان مطالبات مماثلة، حيث ترى كل دولة أن الماسة جزء من إرثها التاريخي.
الموقف البريطاني
على الرغم من المطالب المتكررة، ترفض بريطانيا إعادة كوهينور، بحجة أنها تم الحصول عليها بشكل قانوني بموجب معاهدة لاهور، كما أن التاج البريطاني يخشى أن يؤدي إرجاع الماسة إلى فتح الباب أمام مطالبات مماثلة بإعادة كنوز نُهبت خلال فترة الاستعمار.
تعرف أيضًا على: تعرف على المدن المفقودة عبر التاريخ وأسرار اختفائها
لماذا تعتبر كوهينور رمزًا للاستعمار؟
1- نهب الثروات من المستعمرات:
تمثل كوهينور واحدة ضمن العديد من الكنوز التي تم نقلها من الهند إلى بريطانيا خلال فترة الاستعمار.
2- عدم تكافؤ القوى أثناء التنازل عنها:
لم يكن التنازل عن الماسة طوعيًا، بل تم تحت ضغط عسكري واقتصادي.
3- استمرار الجدل رغم مرور القرون:
بعد أكثر من 170 عامًا، لا تزال كوهينور تُعرض في المتاحف البريطانية دون أي نية لإعادتها، ما يعكس استمرار إرث الاستعمار.
هل تعود كوهينور يومًا إلى موطنها الأصلي؟
على الرغم من تزايد الضغوط لإعادة كوهينور إلى الهند أو أي من الدول التي تطالب بها، فإن بريطانيا لم تُظهر أي نية لإعادتها.
ومع ذلك، فإن النقاش حول الماسة يُعيد إحياء التساؤلات الأوسع حول إعادة الممتلكات الثقافية المنهوبة، ليس فقط في الهند، ولكن في جميع أنحاء العالم، حيث تطالب العديد من الدول باستعادة كنوزها المفقودة.
سواء بقيت في بريطانيا أو عادت إلى الهند، ستظل ماسة كوهينور شاهدًا على حقبة الاستعمار، وقصة لا تزال تُثير الجدل حتى اليوم.