مقالات

في ذكرى وفاته.. تعرّف على أنيس منصور فيلسوف الصحافة

بقلم: آية محمد حسان

تمر اليوم ذكرى رحيل الكاتب الكبير أنيس منصور، الذي غيّب الموت جسده في أكتوبر عام 2011، لكن كلماته ما زالت تسكن الذاكرة وتُحرك العقول.

إنه الرجل الذي أطلق عليه النقاد لقب «فيلسوف الصحافة»، ليس لأنه درس الفلسفة فحسب، بل لأنه جعلها أسلوب حياة ومنهج كتابة.

قليلون هم من استطاعوا أن يجمعوا بين الفكر والصحافة، وبين الأدب والحياة، وأنيس منصور كان أحد هؤلاء القلائل الذين كتبوا بعين الصحفي وقلب الفيلسوف.

 

بدايات أنيس منصور 

وُلد أنيس محمد منصور في 18 أغسطس عام 1924 بقرية «المنصورة» بمحافظة الدقهلية، في أسرة مصرية بسيطة، لكنه لم يكن طفلًا عاديًا.

كان محبًا للقراءة منذ صغره، يهرب من اللعب مع أقرانه إلى الكتب والمجلات التي كانت تملأ بيت أبيه، يقول في أحد أحاديثه القديمة: «كنت أقرأ كل ما يقع في يدي، حتى صفحات الإعلانات وأغلفة الصابون».

بدأ تعليمه في كتاب القرية، ثم انتقل إلى القاهرة ليلتحق بكلية الآداب جامعة القاهرة، حيث اختار دراسة الفلسفة، وهو اختيار لم يكن صدفة، فقد وجد في الفلسفة طريقًا لفهم الإنسان والعالم.

تأثر بأساتذة كبار في الجامعة مثل الدكتور زكي نجيب محمود ومصطفى عبد الرازق، الذين ساهموا في تكوين فكره النقدي وذائقته الأدبية.

 

أنيس منصور من الفلسفة إلى الصحافة

بعد تخرجه، لم يتجه أنيس منصور إلى التدريس كما فعل أغلب زملائه، بل اختار طريقًا أكثر مغامرة: الصحافة.

كانت بدايته في جريدة الأهرام، حيث عمل محررًا ومترجمًا، ثم سرعان ما لفت الأنظار بذكائه الحاد وسرعة بديهته وقدرته على التعبير.

كتب في مجلات الجيل وآخر ساعة وأخبار اليوم، قبل أن يصبح أحد أعمدة الصحافة المصرية في القرن العشرين.

في منتصف السبعينيات، أسس مجلة أكتوبر الأسبوعية، التي كانت من أبرز المنابر الصحفية في تلك الفترة، وأدارها لسنوات بحكمة وجرأة.

كتب فيها زاويته اليومية الشهيرة «مواقف»، التي كانت بمثابة درس يومي في الفلسفة الساخرة، يخلط فيها الجد بالمرح، والواقع بالتأمل.

كانت مقالاته تُقرأ بشغف، حتى أن بعض القراء قالوا إنهم يبدأون يومهم بـ«مواقف» قبل فنجان القهوة.

أنيس منصور

فلسفته في الكتابة.. الكلمة مسؤولية والفكر رسالة

لم يكن أنيس منصور كاتبًا تقليديًا، بل كان يرى في الكتابة مسؤولية فكرية وأخلاقية، كان يردد دائمًا أن الصحافة ليست نقلًا للخبر، بل رؤية للعالم.

كتب مرة يقول: “الكاتب الحقيقي هو من يُدهشك، لا بما يقول، بل بالطريقة التي يجعلك ترى بها ما كنت تظنه مألوفًا.”

هذه النظرة الفلسفية جعلت مقالاته مختلفة عن السائد، لم يكن يكتب ليجامل أحدًا، بل ليحاور القارئ، يثير فضوله، ويدفعه إلى التفكير، كان يكره الحشو والتطويل، ويؤمن أن الكلمة مثل الرصاصة، إن لم تصب هدفها ضاعت.

أهتم بالقضايا الإنسانية أكثر من السياسية، وركز على الفهم العميق للنفس البشرية، لذا تجد في كتاباته مزيجًا من التأمل والسخرية والحكمة.

كانت مقالته تبدو كحديث ودي مع القارئ، لكنها تخفي وراءها عمقًا فلسفيًا كبيرًا.

أنيس منصور والعقاد وطه حسين.. لقاء العقول الكبرى

كانت علاقة أنيس منصور بكبار الأدباء والفلاسفة من أبرز محطات حياته، فقد تربى فكريًا في صالون العقاد، ذلك المجلس الفكري الشهير الذي كان يجتمع فيه الأدباء والمثقفون لمناقشة قضايا الفكر والأدب والسياسة.

كتب أنيس منصور عن تلك الفترة في كتابه الشهير «في صالون العقاد كانت لنا أيام»، الذي يُعد من أهم ما كُتب عن العقاد من منظور إنساني.

تحدث فيه عن حواراتهم، خلافاتهم، ومواقف العقاد الحادة، لكنه كتب بحب وتقدير رغم اختلافهما في الرأي.

أما طه حسين، فكان له مكانة خاصة عند أنيس منصور، إذ كان يعتبره رمزًا للعقلانية والنظام الفكري، وقد روى كثيرًا من ذكرياته معه، مؤكدًا أنه تعلم منه الصبر والدقة والبحث العلمي.

كذلك جمعته علاقة قوية بـنجيب محفوظ، حيث كان أحد أوائل من كتبوا عنه واحتفوا بأدبه قبل أن يحصل على جائزة نوبل، كان يرى في محفوظ مثالًا للكاتب الهادئ العميق الذي لا يلهث وراء الشهرة، بل وراء المعنى.

الرحّالة الذي رأى العالم بعين الفيلسوف

في عام 1959، خرج أنيس منصور في رحلة طويلة حول العالم استمرت أكثر من 200 يوم، زار خلالها أكثر من 30 دولة، منها اليابان والهند وأستراليا والولايات المتحدة. لم تكن الرحلة مجرد سياحة، بل بحثًا عن معنى الإنسان في ثقافات مختلفة.

دوّن تجربته في كتابه الشهير «حول العالم في 200 يوم»، الذي يُعد من أمتع ما كُتب في أدب الرحلات، لم يكتفِ بوصف المدن والمعالم، بل تحدث عن الناس، والعادات، والتقاليد، وصراعه الداخلي بين الشرق والغرب.

في كتاباته عن السفر، يظهر بوضوح ذلك المزيج الفريد بين الدهشة والتأمل. كتب مرة يقول: “السفر لا يعلّمك عن الآخرين فقط، بل يعرّفك بنفسك التي لا تعرفها.”

ولم تكن تلك الرحلة الأخيرة، فقد ظل يسافر ويكتب حتى سنواته الأخيرة، ينقل للقارئ رؤية جديدة للعالم من زاوية إنسانية وفلسفية.

أنيس منصور

مؤلفاته.. موسوعة فكرية في الأدب والحياة

ترك أنيس منصور وراءه أكثر من 200 كتاب بين فكر وأدب وفلسفة وسيرة ورحلات. من أشهر أعماله:

في صالون العقاد كانت لنا أيام

حول العالم في 200 يوم

الذين هبطوا من السماء

العقل أولاً ثم الدين والطعام

قالوا

من الذي لا يحب فاطمة؟

مذكرات شاب غاضب

يوميات ونيس

كل كتاب منها يحمل بصمته الخاصة: الفكرة الجديدة، واللغة السلسة، والأسلوب المليء بالحكمة والمرح، لم يكن يكتب لمجرد التسلية، بل ليدفع القارئ إلى التساؤل: من نحن؟ وماذا نفعل في هذه الحياة؟

تعرف أيضا علي… صالح الجعفراوي الكاميرا التي قاومت حتي اللحظة الأخيرة…

أسلوبه.. البساطة التي تُخفي عمقًا

تميّز أنيس منصور بأسلوب فريد جمع بين الوضوح الأدبي والعمق الفلسفي، لغته بسيطة لكنها مشحونة بالمعاني، كان يستخدم جملًا قصيرة، لكنها تفتح أمامك أبوابًا من التفكير.

يقول النقاد إن سرّ نجاحه أنه كتب بعقل الفيلسوف ولسان الصحفي، لم يكن متكلّفًا ولا متصنعًا، بل صادقًا في كل حرف، حتى سخريته لم تكن لاذعة أو جارحة، بل كانت سخرية الحكيم الذي يرى المفارقات في الحياة بابتسامة.

الصحفي الإنسان.. مواقف لا تُنسى

بعيدًا عن الكتب والمقالات، كان أنيس منصور إنسانًا ودودًا متواضعًا، يحب الشباب ويشجع المواهب الجديدة.

كان يفتح أبواب مكتبه لكل من يحمل حلمًا أو فكرة، يستمع، يعلّق، وينصح، كثير من الصحفيين المعروفين اليوم بدأوا خطواتهم الأولى تحت إشرافه أو بتشجيعه.

كان يؤمن بأن الصحافة مدرسة للحياة، وأن الصحفي الجيد يجب أن يقرأ في كل المجالات، قال في إحدى مقالاته: “من يقرأ في الطب يفهم الإنسان، ومن يقرأ في الفلسفة يفهم الحياة، ومن يقرأ في التاريخ يفهم لماذا نحن هكذا.”

إرثه في الصحافة والفكر

رحل أنيس منصور في 21 أكتوبر 2011 بعد رحلة طويلة مع الكتابة، لكنه ترك إرثًا ضخمًا لا يمكن تجاوزه، أثره لا يقتصر على المقالات أو الكتب، بل يمتد إلى طريقة التفكير والطرح الصحفي.

هو من جعل المقال الصحفي مساحة للفكر، لا مجرد تعليق على الأحداث، علّم أجيالًا من الكتّاب أن العمق لا يعني التعقيد، وأن الجمال لا يناقض البساطة.

وفي زمنٍ تغلب فيه السرعة على التأمل، تظل كتاباته تذكيرًا بأن الصحافة ليست مهنة فقط، بل فن ومسؤولية ورسالة.

أنيس منصور بعيون الجيل الجديد

بالنسبة للجيل الجديد من الصحفيين، يمثل أنيس منصور قدوة فكرية وإنسانية، فجيل الشباب الذي يعيش في عالم سريع ومزدحم بالمعلومات، يجد في كتاباته ما يهدئ الضجيج، ويمنحه لحظة تأمل.

كثير من طلاب الإعلام والصحافة يدرسون مقالاته كنماذج للأسلوب الصحفي المتوازن، الذي يجمع بين الخبرة والفكر، وبين المعلومة والإحساس.

يقول أحد طلاب كلية الإعلام بجامعة بنها: «أنيس منصور هو الكاتب الذي يجعلك تشعر أنك تجلس معه على فنجان قهوة، لا تقرأه بل تحاوره.»
وهذا بالضبط ما أراده هو من الكتابة: أن تكون حوارًا حيًّا بين الكاتب والقارئ، لا خطبة من طرف واحد.

الفيلسوف الذي علّمنا كيف نفكر

في ذكرى رحيله، لا نودّع أنيس منصور بل نستعيده. نستعيد صوته الهادئ، كلماته العميقة، وسخريته الذكية التي كانت تداوي ما تجرحه الأيام.

لقد كان أكثر من كاتب أو صحفي؛ كان مدرسة فكرية كاملة، ومثالًا نادرًا على أن الثقافة يمكن أن تكون ممتعة، وأن الفلسفة يمكن أن تكون قريبة من القلب.

رحل أنيس منصور، لكن بقيت كلماته تنبض بالحياة، تذكّرنا دائمًا أن الكتابة ليست مهنة، بل موقف من العالم.

وما أجمل ما قاله في إحدى لحظات صدقه الأخيرة: “قد أموت في أي لحظة، لكن ما كتبته لن يموت، لأنه جزء من ضوء عابر في عقل إنسان آخر.”

وهكذا سيظل أنيس منصور حاضرًا، ما بقي هناك قارئ يبحث عن الحقيقة، وصحفي يكتب بشغف، وإنسان يفكر ويسأل دون خوف.

تابعنا أيضا هنا…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock