عبد الله البرغوثي ـ المهندس الذي أوجع الاحتلال

كتبت/ أيه محمد حسان
في كل مرحلة من مراحل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، تبرز شخصيات استثنائية تصنع الفرق بإيمانها، وعزيمتها، وقدرتها على تحويل المستحيل إلى واقع.
ومن بين هذه الشخصيات التي تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ المقاومة الفلسطينية، يبرز اسم عبد الله البرغوثي، الذي تحوّل من مهندس كهرباء إلى أحد أخطر العقول العسكرية في تاريخ كتائب القسام، الذراع العسكري لحركة حماس.
عبدالله البرغوثي لم يكن مجرد مقاتل، بل مهندسًا للفكر والميدان، جمع بين العقل العلمي والانتماء الوطني، فحوّل أدوات الهندسة إلى وسائل مقاومة، وأثبت أن المقاومة ليست فقط فعلًا عسكريًا، بل حالة وعي وإبداع وتحدٍ.
ورغم مرور أكثر من عقدين على اعتقاله، ما زال اسمه حاضرًا بقوة في الوجدان الفلسطيني كرمزٍ للصمود والثبات والإيمان بعدالة القضية.
البدايات والنشأة
وُلد عبد الله غالب البرغوثي في عام 1972 بدولة الكويت، لأسرة فلسطينية هجّرت من قريتها بيت ريما الواقعة شمال غرب رام الله في الضفة الغربية، نشأ في أسرة محافظة تربّت على حب الوطن والانتماء إلى القضية الفلسطينية.
أكمل البرغوثي دراسته المدرسية في الكويت، ثم التحق بإحدى الجامعات هناك ليدرس الهندسة الكهربائية، حيث تميز بذكاءٍ حاد وقدرة على الابتكار جعلته من الطلاب المتفوقين.
وبعد حرب الخليج الثانية، اضطر إلى مغادرة الكويت متجهًا إلى الأردن، قبل أن يعود إلى فلسطين في منتصف التسعينيات.
العودة إلى الوطن وبداية الطريق
عند عودته إلى الأراضي الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو، استقر في مدينة رام الله، وعمل مهندسًا كهربائيًا في مجال الصيانة والتقنيات، لكن الأحداث السياسية والأوضاع المتوترة في فلسطين آنذاك، خاصة مع تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية، دفعته إلى التفكير في المقاومة كخيار لحماية شعبه.
انضم عبد الله البرغوثي إلى كتائب الشهيد عز الدين القسام، الذراع العسكري لحركة حماس، وبدأ مشواره المقاوم بهدوء وتخطيط دقيق، مستفيدًا من خبرته التقنية في تطوير أدوات المقاومة.

المهندس القسامي عبدالله البرغوثي
بفضل معرفته بالهندسة والتكنولوجيا، شارك عبدالله البرغوثي في تطوير عبوات ناسفة متقدمة وأسلحة محلية الصنع.
وقد أطلق عليه لقب “المهندس رقم 1 في الضفة الغربية” بعد استشهاد المهندس يحيى عياش، لما تميز به من قدرات عالية في إعداد وتنفيذ عمليات نوعية ضد الاحتلال.
كان يشرف بنفسه على التخطيط للعمليات، بدءًا من تصميم العبوة، مرورًا باختيار المكان والتوقيت، وصولًا إلى التنفيذ بدقة عالية. ومن أبرز العمليات التي اتُّهم بقيادتها أو الإشراف عليها:
عملية “سبارو” في القدس عام 2001، التي استهدفت مطعمًا يرتاده جنود ومستوطنون.
عملية الجامعة العبرية عام 2002.
عملية الحافلة في القدس الغربية عام 2002.
هذه العمليات وغيرها جعلته من أكثر المطلوبين للجيش الإسرائيلي، الذي شنّ حملات موسعة للبحث عنه، واعتبره مسؤولًا عن مقتل العشرات من الإسرائيليين.
الاعتقال والتحقيق
في 5 أغسطس 2003، نجحت وحدات خاصة من الجيش الإسرائيلي في اعتقال البرغوثي في مدينة البيرة بعد مطاردة طويلة.
اقتيد إلى مراكز التحقيق حيث خضع لتعذيب قاسٍ استمر عدة أشهر، في محاولة لانتزاع معلومات منه عن بنية كتائب القسام في الضفة. إلا أنه رفض الاعتراف أو التعاون رغم التعذيب الجسدي والنفسي.
وفي عام 2004، حكمت عليه المحكمة العسكرية الإسرائيلية بالسجن 67 مؤبدًا، أي ما يعادل أكثر من 5200 عام، بتهمة مسؤوليته عن مقتل أكثر من 60 إسرائيليًا. وبهذا أصبح عبد الله البرغوثي صاحب أطول حكم في تاريخ الأسرى الفلسطينيين.
تعرف أيضا علي… أنس الشريف… الكاميرا التي لم تكمل رسالتها…

الحياة داخل السجن
نُقل عبد الله البرغوثي إلى العزل الانفرادي فور اعتقاله، وقضى ما يزيد عن 10 سنوات متواصلة في الزنازين الانفرادية بسجون مختلفة، من بينها سجن جلبوع وريمون وهشارون.
ورغم قسوة الظروف، لم يفقد عزيمته، بل حوّل زنزانته إلى مساحة للكتابة والتفكير والإبداع. كتب عددًا من الكتب التي لاقت رواجًا بين الفلسطينيين والعرب، منها:
“ألف ليلة وليلتان في العزل الانفرادي”، الذي وثّق فيه معاناته داخل الزنزانة.
“مهندس على الطريق”، الذي يروي فيه رحلته من الهندسة المدنية إلى الهندسة القتالية.
“أيام في معتقل بيتونيا”، حيث تحدث عن تجربة الاعتقال الأولى قبل الأسر الطويل.
مواقفه داخل الأسر
يُعرف عبد الله البرغوثي بموقفه الثابت الرافض لأي صفقة تبادل لا تشمل جميع الأسرى القدامى وذوي الأحكام العالية، وفي أكثر من رسالة، أكد أن “الحرية الحقيقية ليست خروجي من السجن، بل خروج وطني من الاحتلال.”
كما لعب دورًا فكريًا بين الأسرى، فكان يُلقي محاضرات ودروسًا تربوية داخل السجن، ما جعله شخصية مؤثرة ومرجعًا فكريًا بين المعتقلين.
رمز للصمود والمقاومة

أصبح عبد الله البرغوثي رمزًا للصبر والإصرار في وجه الاحتلال، إذ لم تنل منه سنوات العزل ولا العذاب. ويرى فيه كثيرون تجسيدًا لفكرة أن المقاومة ليست فقط بالسلاح، بل بالثبات على المبدأ.
وتُنظّم في فلسطين وخارجها فعاليات تضامنية في ذكرى اعتقاله سنويًا، يُرفع فيها شعار:> “عبد الله البرغوثي.. الحر رغم القيد.”
إرث لا يُمحى
تجاوز تأثير عبد الله البرغوثي حدود العمليات العسكرية إلى الجانب الفكري والإنساني. فكتبه ورسائله ألهمت آلاف الشباب، وأثبتت أن الاحتلال مهما امتلك من قوة، لا يستطيع كسر روح الإرادة.
واليوم، وبعد أكثر من عقدين في الأسر، لا يزال اسمه حاضرًا في ذاكرة الفلسطينيين والعرب كأحد أبرز وجوه المقاومة المعاصرة.



