مقالات

حسام أبو صفية ـ الطبيب الذي رفض السكوت حتي آخر أنفاسه

بقلم / أيه محمد حسان

في زوايا مستشفى كمال عدوان في شمال قطاع غزة، حيث الصراخ والأنين لا يكلّان، ظهر وجه واحد يتقدّم بين الحُطام والركام.

إنه الدكتور حسام أبو صفية، استشاري أطفال ومدير المستشفى، الذي بات رمزًا للصمود الإنساني في قلب المعاناة.

في هذه المقالة، أسعى لأن أُجسّد إنسانًا يحيا في لحظة تاريخ، ليكشف كيف أن الطبيب يمكن أن يصبح بانيًا لتاريخ فوق بوابة الألم.

ميلاد الحلم في مخيم

وُلد حسام أبو صفية في 21 نوفمبر 1973 في مخيم جباليا، لعائلة فلسطينية ترجّلت عن أرضها منذ النكبة.

في ذلك المخيم الذي يحتضن الحكايات البائسة، تتكوَّن في الطفولة القاسية بذور الإرادة: قصص الشتات، ووجع الضياع، وأحلام العوده .

في بيئة تنطفئ فيها الأنوار، تعلّم حسام أن المنقذ لا يرتدي المعلّم فقط، بل ربما أيضًا العباءة البيضاء التي تجوب المستحيل.

لم يكن الطريق مفروشًا بالورود، فقد واجه منذ صغره تحديات المجتمع، وضغط الفقر، والاحتماء في ظل حصار، لكن في صدره كان يقّظًا صوت داخلي يقول: «سأداوي، سأبقى إلى جانب الأطفال مهما اشتدّ الظلام».

تخصص في طب الأطفال وحديثي الولادة، ونال شهادة البورد الفلسطيني، وأصبح أحد أعمدة المشهد الصحي في غزة، متسلحًا بمعرفة ورغبة لا تفتر.

 أبو صفية وهو يعالج مصابين القطاع
أبو صفية وهو يعالج مصابين القطاع

في قلب الإنسانية: طبيب فوق الجرح

حين استشرقت عمليات القصف وتلاطم الحروب، كان المستشفى في غزة، لا سيما مستشفى كمال عدوان، السد الأخير أمام الموت.

يعامل حسام أبو صفية اليوم كمحرّك أساسي في تلك المعركة التي لا تُرى أسلحتها، لكنها تأبى أن تخمد أنفاس المرضى.

في استجابة استثنائية، قاد فرقًا طبية في أوقات قصف وضغط، وأشرف بنفسه على الحالات المستعصية.

وجلس بين الجرحى، يحمل همومهم، يشاركهم دموعهم، كان يسير في الممرات، يحمل الطفل الذي لا يعرف من أبويه، يمد يده ويهمس: «أنقذناك».

في المستشفيات تداعت البنية التحتية، وانقطعت الكهرباء، وانعدمت الأدوية، لكنه لم يهرع إلى الباب، بل استمر في المعركة التي اختارها منذ البداية.

في أكتوبر 2024، اشتدت النار على كمال عدوان: اقتحمت القوات الإسرائيلية المستشفى، واعتقلت حسام أبو صفية وأعضاء من الطاقم الطبي.

قبل ذلك، كان قد تلقّى نبأ استشهاد نجله إبراهيم إثر قصف إحدى الغارات على موقع كان فيه الطفل. هل أخبرنا التاريخ كم من طبيب فقد طفله بين يدي واجبه؟ أو كم من أب يجاهد فوق سرير مريض وهو يُدفن ولده؟

لم تكتفِ الحياة بضربتين، بل في 23 نوفمبر 2024، أثناء تأدية الواجب داخل المستشفى، استُهدف بقنبلة من طائرة “كوادكابتر” إسرائيلية، فتعرض لإصابات في الفخذ اخترقت الأوردة والشرايين، ما سبّب نزيفًا داخليًا.

ثم، في 27 ديسمبر من العام ذاته، داهمت القوات المستشفى، وأُخْرِج الطبيب المبتهل الذي لم يرضَ أن يفرّ بينما تغرق مصلحة المرضى في الدم، واقتيد إلى الاعتقال.

تعرف أيضا علي…

خلف قضبان الغياب: قصة اعتقال واضطهاد

منذ اعتقاله، يعيش أبو صفية في غموض مرير.

لا يُعرف موقف التهم الموجّهة إليه بالضبط، ولا يُعرَض على محكمة بشكل يليق بإنسان يُفترض أن تُحمى حقوقه حتى لو كان في حالة صراع.

في تقرير لمنظمة العفو الدولية، وُصف اعتقاله بأنه “تعسفي”؛ فبعد أن اقتحمت القوات مستشفى كمال عدوان، اختطفته السلطات الإسرائيلية دون مرافعات عادلة أو تقديم أوراق قضائية واضحة.

حتى اليوم، لم يُمنَح حق مقابلة محامٍ إلا بعد مرور فترة طويلة.

وبحسب تقارير حقوقية، فإن وضعه الصحي يتدهور بشكل ملحوظ، إذ فقد نحو 25 كيلوغرامًا من وزنه، ويعاني من أمراض جلدية (الجرب)، دون أن تتاح له الرعاية الطبية الملائمة داخل السجن.

كما يُذكر أنه يعاني من أمراض ضغط الدم والقلب وسبق أن خضع لعلاجات قبل الاعتقال، لكنه محروم منها الآن.

التعذيب الجسدي والمعاملة السيئة تُعدّ من الأمور التي تُبعث في بعض الشهادات التي نقلها أسرى محررون، إذ قال أحدهم إنه صُدم عندما رأى أبو صفية “متهالكًا” أول كلمات قالها كانت: «أنا اتبهدلت».

في أكتوبر 2025، أعلنت محكمة إسرائيلية أنها مددت اعتقاله ستة أشهر إضافية.

هذا القرار يأتي وسط شكوك كبيرة حول مدى قانونيته، وطالبت منظمات حقوق الإنسان بالإفراج الفوري عنه وعن جميع العاملين الصحيين المحتجزين.

من جهتها، ذكرت “أطباء لحقوق الإنسان” الإسرائيلية أن أبو صفية لم يُعرض منذ مارس 2025 على أي قاضٍ، ولم يُقدّم إلى تحقيق قانوني، ولم يُعرَض أي سبب لاعتقاله.

كما نتشر التقارير أنه يُمارَس عليه العنف وسوء المعاملة في السجن ومحروم من الوصول إلى الإمكانات الطبية الأساسية.

حسام أبو صفية مع زوجته

رمزية الرجل: حين يكون الطبيب شهيدًا

في العالم، يُعد الأطباء من أهل السلام، من يوقِظون من غيبوبة الجراح، لا من يمنحون الأصفاد.

لكن في غزة، تحوّل الطبيب إلى هدف، استهدافه ليس صدفة، بل استهداف لمن يُقاومون بالصبر والمعرفة.

لقد حولت إسرائيل كل مشفى إلى جبهة، وكل طبيب إلى شاهد حي على الجرائم، عبر اعتقال حسام أبو صفية، تُرسل رسائل لكل طبيب في غزة: “لا مكان لكم هنا”.

لكن الرسالة التي يردّ بها حسام صامتة لكنها أقوى: “أنا ما زلت هنا في قلوب الناس، رغم القيود”.

الآن، يحمل اسمه آلاف المنشورات والتغريدات، ويُناشد العالم أن يسمع نداء الأسرّة الفارغة، أن يعرف أن في غزة طبيبًا يُعاقب لأنه لم يهرب، إنه بقي ليصغي إلى أنين الطفل، ليشارك موت البكاء، ليسحب من يده ويقول: “لسنا وحدنا”.

إنه يشكّل مثالًا على أن القوة ليست دائمًا في السلاح، بل في الروح التي ترفض أن تنكسر، في الإنسان الذي يحيا رغم كلّ شيء.

 

طعن في الصحافة: كيف نكتب عن حسام أبو صفية؟

عندما نكتب عن حسام أبو صفية في الصحافة الإنسانية، ينبغي أن نراعي الآتي:

1. الإنسان أولًا
لا نبدأ بالمنصب أو الاعتقال، بل نبدأ بالطفل الذي عاش، بالأب الذي فقد ابنه، بالطبيب الذي بات في الظل. ننقل تفاصيله الشخصية، نعرّف القارئ من هو خلف القفازات البيضاء.

2. المصادر الدقيقة
لا نعتمد على الشائعات. نقول “وفقًا لوثائق…” أو “بحسب تقارير حقوقية…” ونسلّط الضوء على كيف تحصلنا على المعلومة، ونُرفِقها بروابط أو مراجع.

3. صور الشهادة
مثلاً: شهادة الأسير المحرَّر الذي رأى أبو صفية في السجن وتحدّث عنه بلغة الكرامة. هذا يضفي مصداقية ويؤثر في القارئ.

4. التوازن بين العاطفة والتوثيق
لا تبالغ بالتجميل أو التصيير إلى بطَل خارق، لكن أيضًا لا تختزل في سرد بارد. العاطفة المصرَّفة بتوثيق تُحرّك القارئ وتُجذبه لأن يكون شاهدًا.

5. طرح الأسئلة المحرّكة
لماذا يُعتقل الطبيب؟ لماذا يُمنع من العلاج؟ ما معنى أن يُستهدف من يداوي؟ الأسئلة الصحفية تُلهِم القارئ أن يتساءل، لا أن يُملى عليه.

6. دعوة للعمل
في نهاية المقال، أن نستنهض القارئ ليقوم بشيء: المشاركة في نشر، التوقيع على عريضة، الضغط على الجهات الحقوقية.

نظرة مستقبلية: بين الظل والنور

من يقترن اسمه بالاعتقال في زمن الاختفاء القسري، ليس بالضرورة أن يكون مهزومًا.

قد تُطيل الفصول، وقد تتغيّر الأسماء في صفحات التاريخ، لكن القصص التي تُكتب بالدم تبقى.

لعلّ يومًا ما يُفرَج عن حسام أبو صفية، يعود إلى المستشفى، يلمّ جراحه كما كان يلمّ جراح الآخرين.

أو أن يُستعاد اسمه في تاريخ غزة كطبيب لم يفرّ، كإنسان رفض أن يسكت رغم القيد.

في تلك اللحظة، تصبح قصته معبّرًا يُروى في المدارس، كيف أن العطاء لا يُدان، كيف أن الصمت لا ينتصر.

حتى ذلك الحين، يبقى واجبنا كصحفيين أن نروي قصة حسام أبو صفية بالإنسانية التي تستحقها، بحيث لا يصبح رقمه مجرد خبر ينسى، بل حكاية تُضيء في منتصف الكتابة.

أن نحاول أن نجعل من مقالتنا جسرًا بين الألم والمسؤولية، بين الدماء والضمير، بين القارئ والإنسان الذي يسمّي نفسه طبيب الوحشة في أرض محاصرة.

تابعنا أيضا هنا…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock