مقالات

الرهاب الاجتماعي ومعركته الخفية داخل النفس

كتب / آيه محمد حسان

يُعد الرهاب الاجتماعي أحد أكثر الاضطرابات النفسية تعقيدًا وانتشارًا خاصة بين فئة الشباب التي تواجه ضغوطًا اجتماعية وتعليمية ومهنية متزايدة، ويُعرَّف بأنه خوف شديد وغير مبرر من المواقف التي تتطلب تفاعلًا مع الآخرين، ويصاحب هذا الخوف شعور دائم بأن الشخص مراقب ومُقيّم من كل من حوله، مما يجعله يعيش في حالة توتر مستمرة، وهذا الاضطراب لا يقتصر على موقف واحد بل يمتد إلى مواقف الحياة اليومية مثل الحديث أمام الآخرين أو لقاء أشخاص جدد أو حتى أداء مهام بسيطة أمام جمهور صغير، وهو خوف يصل إلى درجة تعطل فيها حياة الفرد وتمنعه من ممارسة أبسط الأنشطة الاجتماعية.

تبدأ جذور الرهاب الاجتماعي عادة في سن مبكرة، فقد ينشأ الطفل في بيئة يكثر فيها النقد أو السخرية أو المقارنة المستمرة مع الآخرين، مما يزرع بداخله شعورًا بأنه أقل من غيره أو غير قادر على إثبات ذاته، وفي أحيان أخرى ينشأ الطفل في بيئة مبالغ في الحماية، فيعتقد أن العالم مكان مخيف وأن أي احتكاك بالناس قد يعرضه للأذى، ومع مرور الوقت تكبر هذه الأفكار معه حتى تصل إلى مرحلة المراهقة التي تُعد مرحلة حساسة تتشكل فيها شخصية الفرد وتزداد فيها حساسياته تجاه رأي الآخرين، فإذا تعرض خلالها لموقف محرج أو انتقاد قاس قد يصبح هذا الحدث نقطة تحول تصنع بداخله خوفًا دائمًا من تكرار التجربة.

ومع نمو الفرد يصبح هذا الخوف أكثر وضوحًا وتأثيرًا، فتظهر أعراض جسدية واضحة عند مواجهته موقفًا اجتماعيًا مثل تسارع ضربات القلب والرجفان والتعرق وصعوبة الكلام وجفاف الحلق، وهذه الأعراض تزيد من خوفه لأنها تمنحه انطباعًا بأنه مكشوف أمام الآخرين، فيدخل في صراع داخلي بين رغبته في الاندماج ورغبته في الهروب، وغالبًا ينتصر الهروب في البداية، فيفضّل الانعزال على خوض تجربة تشعره بالإحراج، ومع الوقت يتعود جسده وعقله على هذا الهروب ويصبح هو الاستجابة الأولى لكل موقف اجتماعي.

ويتأثر الجانب العاطفي للمصاب بشكل كبير، إذ يشعر بأنه غير كافٍ وغير قادر على أن يكون مقبولًا أو محبوبًا، وقد يظن أن أي خطأ بسيط سيجعله محل سخرية، ورغم أنه قد يكون شخصًا ذكيًا وموهوبًا ويمتلك طاقة كبيرة، إلا أن صوته الداخلي السلبي يُقنعه دائمًا بأنه عاجز وغير مناسب، وتزداد هذه الأفكار سوءًا إذا عاش في بيئة تقلل من مشاعره أو تستخف بمشكلته، فيظن أنه الوحيد في العالم الذي يعاني من هذه الأزمة، لكنه في الحقيقة ليس كذلك، فالرهاب الاجتماعي حالة يعاني منها الملايين، إلا أن كثيرين لا يتحدثون عنها خوفًا من الحكم أو الوصمة.

على مستوى العلاقات الاجتماعية يفقد الشخص المصاب الكثير من الفرص لبناء صداقات قوية أو علاقات صحية، فهو يتجنب المناسبات والدعوات والحوارات التي قد تشكل فرصة للتعارف والتقرب من الآخرين، بل قد يفقد صداقات قديمة بسبب ابتعاده المتكرر ومحاولة الحفاظ على مسافة آمنة بينه وبين الناس، وفي كثير من الأحيان يشعر بالوحدة الشديدة رغم وجود الآخرين حوله، لأنه لا يستطيع أن يظهر على طبيعته ولا يستطيع التعبير عن مشاعره بحرية، ومع مرور الوقت يتعامل الآخرون معه على أنه شخص غير اجتماعي أو غير مهتم، رغم أن الحقيقة مختلفة تمامًا، فهو يتمنى التواصل لكنه يخشى أن يتم رفضه أو الحكم عليه.

أما على المستوى الدراسي والمهني، فإن الرهاب الاجتماعي يكون له أثر مباشر في إعاقة تقدم المصاب، فالطالب قد يتجنب المشاركة في المحاضرات أو الانضمام إلى أنشطة الجامعة كما قد يخشى من التحدث أمام الأساتذة أو زملائه، وقد يؤجل مشروعات مهمة أو يمتنع عن التقديم في مسابقات خوفًا من المواجهة، وفي الحياة المهنية قد يرفض الترقيات أو العروض الوظيفية التي تتطلب تواصلًا مباشرًا أو مسؤوليات قيادية، وقد يتجنب مقابلات العمل أو الاجتماعات أو الحديث أمام فريق، وهذا كله لا يحدث بسبب ضعف في القدرة أو نقص في الكفاءة بل بسبب خوف داخلي يجعله يشعر بأنه مراقب ومُقيّم في كل لحظة.

ورغم أن الرهاب الاجتماعي يبدو معقدًا وصعبًا، فإنه ليس مستحيلًا التعامل معه، فالعلاج السلوكي المعرفي أثبت فعاليته الكبيرة في مساعدة المصابين، ويعتمد هذا العلاج على تغيير الأفكار السلبية التي ترافق الشخص في كل موقف اجتماعي، فهو يدربه على استبدال فكرة “سوف يسخرون مني” بفكرة “كل الناس تخطئ وهذا طبيعي”، ويعطيه تمارين عملية لمواجهة المواقف بدلًا من الهروب منها، مثل التدرج في التعرض للمواقف الصعبة بدءًا من الأسهل ثم الأكثر تعقيدًا، ومع الوقت يكتسب المصاب مهارة التعامل مع الخوف والسيطرة عليه بدلًا من الاستسلام له.

كما أن هناك مجموعة من المهارات التي يمكن أن تساعد الشخص على التعامل مع الرهاب الاجتماعي في حياته اليومية، مثل التدريب على التنفس البطيء والعميق عند الشعور بالقلق، وتعلم مهارات التواصل البسيطة كإلقاء التحية أو طرح سؤال قصير، والحرص على المشاركة في مواقف اجتماعية صغيرة ومتدرجة، بالإضافة إلى كتابة اليوميات التي تساعد في رصد المشاعر وتفريغ الطاقة السلبية، كما أن ممارسة الأنشطة التي تعزز الثقة مثل الرياضة أو تعلم مهارة جديدة أو التطوع في عمل جماعي يمكن أن تسهم في تحسين الحالة بشكل كبير.

ولا يمكن إغفال أهمية الدعم الاجتماعي، فوجود شخص يقدّر مشاعر المصاب ويستمع إليه دون حكم يساعده على الشعور بالأمان، وقد يكون هذا الدعم من صديق أو أحد أفراد الأسرة أو حتى من مجموعة داعمة تضم أشخاصًا مرّوا بالتجربة نفسها، وهذا التواصل يعطي المصاب شعورًا بأنه ليس وحده وأن المشكلة قابلة للحل، كما أن تشجيع البيئة المحيطة له يجعله قادرًا على مواجهة مواقف جديدة دون خوف مبالغ فيه.

وختامًا فإن الرهاب الاجتماعي ليس علامة ضعف ولا دليلًا على قلة الثقة، بل هو اضطراب يحتاج إلى فهم ووعي وصبر وتدرج، ومن المهم أن يدرك الشخص المصاب أن الخوف مهما كان قويًا يمكن التغلب عليه، وأن الخطوات الصغيرة التي يخطوها اليوم يمكن أن تُحدث فرقًا كبيرًا غدًا.

ومع الوقت والممارسة والدعم يمكن للشخص أن يستعيد ثقته بنفسه ويكتشف قدراته الحقيقية، فيبدأ بالتواصل بثبات وراحة، ويعود إلى حياته الاجتماعية والدراسية والمهنية بشكل طبيعي، ويجد أن ما كان يخيفه بالأمس أصبح جزءًا عاديًا من يومه لا يؤثر على طاقته ولا يحد من أحلامه، وهكذا يتحول الرهاب الاجتماعي من قيد مؤلم إلى تجربة تعلّم ونمو تمنح صاحبها قوة داخلية ونضجًا أكبر .

تابعنا ايضا هنا…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock