مقالات

إدراك الوعي بالذات والمجتمع المحتقن…علم النفس يشرح الأزمة النفسية الدكتاتورية

كتب: مصطفى نصار

سوية ضائعة وضياع متكامل الأركان…رؤية معايرية للمجتمع المصري في العقد الأخير

 

قام موقع المنصة الصحفي المستقل بنشر تقرير للصحفي “لؤي هشام” يتحدث فيه عن أزمة زيادة نباشي القمامة والزجاجات البلاستيكية، مؤكدًا بتلك الظاهرة أن الناس قد ابتكرت عادات جديدة في ظل الأزمة الطاحنة الاقتصادية، اللافت للنظر في التقرير عدم التحدث عن الأزمة من جهة مسببها الحقيقي، غير رميها على ارتفاع الأسعار بمعدلات غير مسبوقة وتعويم ٨ مارس في العام الجاري الذي أسهم في انخفاض قيمة الجنيه بنسبة أكثر من ٦٠%، وعدم تطبيق الحد الأدنى لما في نفسية الطغيان والدكتاتورية من عدوان مبطن أو ظاهر في حالتنا هنا تنم عن ظاهرة يجب النظر فيها جيدًا وعن كثب.

 

 

وعليه، فإن تحليل الدكتاتوريات يسهم في تحليل تروسه وأوصاله المحددة الدقيقة له، وإن اختلفت الدكتاتوريات سواء ديمقراطية لبيرالية أو ملكية أو عسكرية مثلها مثل مصر، فالمسيمات مختلفة ولكنها متشابهة لتشابه الجذور والنظم الحاكمة مثلما يشير “بيونغ تشول هان” في كتابيه ما السلطة ومجتمع الشفافية؛ فيوظف فلسفته ذات النزعة النقدية لتأكيد حقيقة مفادها أن المجتمعات كلها مستعبدة وظلمها وقهرها معولم مع تفريق وسائل التحكم والسيطرة في كل ذات على حدة.
فوفقًا لأستاذ علم النفس الاجتماعي والسريري “ماتياس دسميت” في جامعة غنيت البلجكية التولتارتية اختلال بالنظم النفسية للمرة لإنها تحرمه من إحساسه العميق بتفرده الأصيل والمتميز ولا تغني بالإصلاحات الشكلية عن إصلاح الحياة التالفة المحيطة بالفرد لما فيها من جهل وجهد طويل للتغيير والتطوير.

 

 

وبتلك الإصلاحات الظاهرية يرسخ إحساس الحرمان العميق في الفرد واحتياجه الدائم لمفهوم الدولة؛ فالدولة والسلطة في عقول المستضعيفن وخاصةً المصريين توضع في مقام الآلة التي لا تمس إلا من بعيد مخافةً أن يواجهها صنم صنعه، مثلما رواية الأديب الروسي “ألكسندر سمسولجين” ١٩١١ التي تتحدث عن حصار بلجراد الشنيع الذي قتل فيه ١١ ألف شخص دون أن ينطلقوا أو يتجمعوا من أجل الوقوف في وجه سلطة القياصرة آنذاك.

 

فالجوع والمهانة والخوف والخنوع قيم نفسية هائلة وجديرة بالثناء في التبرير لبقاء الوضع على ما هو عليه، وإن بات أسوأ فلا بأس طالما إنه لا يؤذني و المال بيده، لكن ما يدفعه بحق للبقاء في هذه الحالة هو المال والولد أي الزينة الدنيوية.

 

تعرف أيضا علي…بناء حجر الأساس للحياة التصورية: عمق استخدام الفلسفة يأتي من طبيعة العقل

 

ويبقي السؤال الملح هنا هل المال يخلق الفرص العاطفية والمعاييرية الصائبة، أم إنها فقط محاولة لتسكين النفس والضمير عن السبب الثانوي للحرمان بعد السلطة؟

 

وللإجابة على هذا السؤال الذي يبدو معقولًا في سياقه، علينا العودة لاستراتيجات التغيير الاقتصادي والسياسي الحادث والمبدل بجذرية للتركيبة النفسية للناس التي تخبرنا أن انحسار الدين والتركيز على المادي دون المقدس يخفض من هيبة الدين ويحول الإنسان من الحالة الاجتماعية للحالة الفردية الجياليتنية، التي لا تقوى حتى على إكمال اليوم إلا وواجهته بمنتهى الهشاشة والسفه والتفاهة، لأن ببساطة نفس خانعة ومتزوجة بالخوف نفس مبادة غريبة تحوط بها الظلمات من جميع الجهات وإما أن تنتصر عليها أو تخسر فيها وتنحتر أو تجن في نهاية المطاف.

 

ولعل الاضطراب النفسي ليس أزمة في حد ذاته لكنه في ظل مجتمع محتوي يلامس جروح الفرد وآلامه ويدوايها بطريقة فعالة يمكن للفرد بعدها إكمال حياته بطبيعة ومنطقية وهدوء، ما يحدث هنا العكس تمامًا لأن الفرد أصبح فردًا منفصلًا لا يهتم غير بنطقه الضيقة مما أدى لتذويب الهوية والاختفاء التدريجي للذات، أو كما عبر عالم الانثروبولوجي الفرنسي “دافيد لوبرتون” في عنوان كتابه الأجدر بالقراءة في هذا الباب وهو اختفاء الذات عن نفسها الذي يعبر فيه بعمق تاريخي عن انسلاخ تام للنفس البشرية عبر عدة مراحل بدأت بالاهتمام الذاتي وانتهت بالنرجسية والتوحش الأناني، عندما ربطتها بالمال والعمل بصورة دورية.

 

السعي لا يجدي نفعًا و لا يجلب السعادة: دليل المسترشد العملي لقراءة النفس الاجتماعية في مصر

 

يرتبط السعي دائمًا بمدى ما يُبذل من جهد وما يترتب عليه من نتيجة تكون محتومة ومرتبطة بما بذله واجتهد فيه الفرد، أو بمعنى أدق مدى تراكمية السعي يساوي بالضرورة الحصول على ناتج مرضي يُرضي الفرد ويسعده.

 

وهي المعادلة الاقتصادية المعروفة باسم معادلة التجارة الحرة، وهي خرافة راسخة في عقل ونفس إنسان العالم الثالث وخاصةً أنه ما زال يدور في معظم الأحيان حول النيولبيرالية و الاستبداد السياسي واللبيرالية والرأسمالية دون علم كامل، وهذا ما دفع الباحثين الاقتصاديين ك”ها جون تشانج” ينتقد الفقر الناتج عن سياسات التنمية مؤكدًا أنه عبر تاريخ الاقتصاد لم يرسم خط واضح لتحرر الإنسان نفسيًا من قبضة المال.

 

 

إن الاهتمام المبالغ الموجه للمال يمول النفس والذات ويجعل حقيقة العواطف كالحب والكره والحزن والغضب قابلة للاستهلاك ويدمر البوصلة الموجهة لها في العمل؛ فتتحول الثقافة لرفاهية والتفاهة لراحة نفسية وحاكمة وكذلك القراءة كمهارة لا تربح، وبهذا المنطق أسست عالمة الاجتماع النفسية “إيفا إيلوز” كتابها الفريد استهلاك اليوتبويا العاطفية: النقد الثقافي لأزمة الرأسمالية.

 

 

وعليه، فإن استغلال العواطف وتوجيهها من السلطة يسهل كثيرًا توحيد أفكارك وهندستك؛ فيتولد قطيعًا من الحمقى والسفهاء وعباد الموضة والريلز، وهذا ما قلب معايير ومبادئ الشباب؛ فتختفي اللباقة العامة ويغدو الفضاء الالكتروني خليطًا من البوح القذر والأفكار المموجة والتي وظفها أساتذة علوم جريمة أمريكان بالاأخلاقية، وعلى رأسهم “أندور وليش” وعالم النفس السلوكي “رولو ماي”، الذي أكد من خلال كتابه بحث الإنسان عن نفسه حتمية ملئ الفراغ بأي قيمة في حالة عدم وجود القيمة الأصيلة الذي تؤسس حياة الإنسان.

 

 

وتكثر على إثر فقدانها أعراض جمة متصلة مثل الانتحار وفقدان العقل والمنطق في التعامل والمرونة في كافة الحياة فيما عدا العمل وحيزه؛ فالعمل وفقًا ل”جلال أمين” في كتابه ماذا حدث للمصريين، البوابة القيمية الوحيدة التي تستلزم من الفرد الظهور بأفضل مظهر وأداء حتى لو كان ذلك يقهره ويقتله. ويمكن من خلال فكرة أمين السابقة استشراف السر والسبب في زيادة نسب الانتحار والوفاة بالضغط النفسي بجانب الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تنطبق فيها وسائل الحرب الإبادية ولو على شكل صامت.

 

 

وهذا بالطبع إن دل على شيء سيحدث فهو الاحتقان الزائد والضغط الذي لم يجد الفرد إلا الحرام في حالات جمة والحلال مع أفراد قلة لا زالوا يؤمنوا أن الوعي بالذات المنتهكة والأسرار الميتة لا تعالجها حياة تالفة تنقصها اللمسة النقدية لا السخرية وحدها؛ فقد أكد “البلخي” في مصالح الأنفس والأبدان على أن السخرية المتكررة وسيلة للموت البطيء و”ابن رشد” كذلك بقوله أن السخرية من المصائب أشبه بسكير يسير لقبره وهو مخمور. لذلك، صدق الدكتوران “جمال حمدان” و”مأمون فندي” حينما قالا أن الثورة عقلية نفسية قبل أن نشكل الواقع من حولنا ونعيد تهئيته لنملكه.

 

تابعنا أيضا علي…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock