أنس الشريف…الصوت المبحوح والجسد الغائب

كتبت: أسماء أشرف
“أوصيكم بفلسطين درة تاج المسلمين، ونبض قلب كل حر في هذا العالم”، كلمات قلائل ظل أنس يعمل بها على مدار عامين من الإبادة، ظل ينادي العالم ويدعوه لينظر لفلسطين وغزة…”انظروا يا عالم نحن نُباد، انظروا يا عالم نحن نجوع، نحن نُقتل…يا عالم نحن بشر مثلكم”. ظل ينادي ويصرخ إلى أن بُح صوته ورحل جسده دون أن ينظر العالم أو يستجيب.
صوت غزة وابن مخيماتها
“أنس جمال الشريف”، ذاك الشاب الذي نشأ بين شوارع غزة ومخيمات نزوحها، عايش حياة النزوح وعرف معنى أن يكون لاجئًا على أرضه، رأى بلاده يدنسها محتل غاصب، هو نفسه المحتل الذي قتل أخاه وأباه وهدم بيته وفرقه عن عائلته وأطفاله. وعلى الجانب الآخر رأى عالمًا يكاد يغرقه الصمت والتخاذل…عالمًا يكاد يموت جبنًا؛ فقرر أن يكون هو الصوت لنفسه ولبلاده المنكوبة.
خرج أنس للميدان شاهرًا صوته كسلاح وحيد في وجه الظلم والخذلان، نقل صوت غزة لخارج حدودها وشاهد العالم من خلاله غزة المجوعة والمُباد أبناؤها. على مدار عامين كاملين شاهدنا خلالهم أنس يتنقل من مبنى نسفه الاحتلال على رؤوس ساكنيه، لمستشفى يهدد الاحتلال طواقمها الطبية ومرضاها بالإخلاء، لمسجد قُصف مصلوه، يتنقل أنس لينقل معاناة أبناء شعبه، يناشد ليخرج هذا الطفل للعلاج، يمرض صديقه المصاب، يركض لتغطية المجازر المرتكبة، يرى الناس أشلاء وجثامين متفحمة؛ فيبكي وتضيع منه الكلمات، يحاول النوم فتطارده صور الأطفال واستغاثاتهم الضعيفة الجائعة، ويود لو يقدر لأعانهم ونصرهم ولكنه -ومع كل أسف- جائع مثلهم.
أكثر من مجرد شاهد
رأى أنس في نفسه ورأينا معه، أنه أكثر من مجرد ناقل للأحداث شاهدًا عليها؛ فقد كان بمثابة عين يرى من خلالها كل من يريد أن يرى غزة، وصوتًا عاليًا بالحق يصدح…صوتًا لو أن غزة تنطق لما كان ليناسبها أكثر من صوته معبرًا عن وجعها وحزنها.
ومن هنا أتى أنس الشريف، شريفًا محبًا لوطنه، رافضًا تركه رغم تهديدات الاحتلال المباشرة والعلنية له، وتطويع أبواقهم لشن الحملات الهجومية والتحريضية عليه، كل هذا لم يوقف أنس ولم يثنيه عن نقل معاناة شعبه وآلامهم، حتى أنه رفض كل العروض لإجلائه خارج القطاع، رافضًا أن ينجو بحياته بينما على الجانب الآخر يُقتل إخوته؛ فاستكمل ما بدأه رغم الاستهداف والتعب والجوع وفوقهم إعياؤه وخضوعه لعملية جراحية، لم يثنه كل هذا عن أن يكون صوتًا لغزة يصدح بجراحها وآلامها…صوتًا شجاعًا عاليًا حتى وإن كان مبحوحًا.
وجه متعب وصاروخ غادر
ووسط كل المناشدات لحماية أنس والإبقاء على حياته، وبينما هو على رأس عمله في خيمته بساحة مجمع الشفاء الطبي بشمال غزة، يستهدفه صاروخ غادر سالبًا معه ما تبقى من حياته وحياة خمسة آخرين من زملائه بالميدان. لتعلن إسرائيل بعدها وبكل تبجح مسؤوليتها عن اغتياله متفاخرة بذلك، ضاربة بكل القوانين الدولية والحقوقية عرض الحائط، متحدية العالم أجمع بأن يخرج عن صمته ولو لهذه المرة فقط، لكنه أيضًا لم يفعل ككل المرات السابقة.
تعرف أيضًا على: صوت الحرية…شيرين أبو عاقلة
والسؤال هنا…من لم تحركه المجازر والجثامين المقطعة وموت الأطفال جوعًا، هل ستحركه البحة في صوت أنس أو هل سيحركه رحيل أنس من الأساس؟!




